أكادير(هرماس بريس):

   رزء كبير ألم بالصحافة العربية الجادة والرائدة بوفاة الصحافي اللبناني الكبير طلال سلمان، يوم الجمعة 25 غشت 2023، ناشر صحيفة “السفير” الذائعة الصيت، عن عمر يناهز 85 عاما، وذلك “بعد مسيرة إعلامية حافلة بالنجاحات”، على حد وصف وكالة الأنباء اللبنانية الرسمية.

   وعن هذا الرحيل المفجع، كتب وزير الإعلام زياد المكاري على منصة إكس (تويتر سابقا) قائلا: “الكبير طلال سلمان العابر بقلمه للمناطق ستبقى ذكراه خالدة وتاريخه العريق صفحة لن تطوى في تاريخ الصحافة اللبنانية”.

   وكان طلال سلمان قد أصدر عام 1974 جريدة “السفير” في بيروت، وكانت صحيفة يومية حملت شعار “صوت الذين لا صوت لهم”، وعُرفت بمواقفها المناصرة للقضايا العربية، لا سيما القضية الفلسطينية، وهذا ما جعل الراحل عرضة لمحاولات اغتيال استهدفته شخصا(1984)، كما استهدفت تفجير منزله، وكذا تفجير مطابع الجريدة (1980).

   وقد اضطرت جريدة “السفير” للتوقف عن الصدور عام 2016، بعد أزيد من 42 سنة من الجهر بالحق ومناصرة القضايا العربية والقضايا الإنسانية العادلة، مما شكل خسارة كبيرة للإعلام اللبناني، والإعلام العربي عموما.

   وكان الراحل طلال سلمان قد ألقى محاضرة في “المعهد العالي للصحافة”(المعهد العالي للإعلام والإتصال)، خلال منتصف عقد الثمانينيات من القرن الماضي، حيث غصت قاعة المحاضرات الكبرى التابعة للمعهد بالطلبة الصحافيين، والصحافيين الممارسين في مختلف المنابر الإعلامية المغربية، وذلك بالنظر للمكانة التي كان وظل يحظى بها هذا الصحافي الكبير إلى أن التحق بدار البقاء.

   وبهذا المصاب الجلل، يتقدم الموقع الإخباري الإلكتروني “هرماس بريس” بأصدق التعازي للأسرة الإعلامية اللبنانية، وعموم الصحافيين في العالم العربي، ويشرك الموقع قراءه لهذا النعى الذي كتبه في حق الراحل، الكاتب الصحفي، إبراهيم الأمين، مدير نشر جريدة “الأخبار” اللبنانية التي تبقى، إلى جانب صحيفة “النهار”، من العلامات المضيئة التي ما زالت تقاوم من أجل البقاء في المشهد الإعلامي العربي الذي سارت الدهمة سمته البارزة.

                                    *****************************

                      الراحل وحيدا

                                          بقلم: إبراهيم الأمين      

    لو أنك كتبت أنت الرثاء وأعفيتنا جميعاً من هذا الحمل، لو أنك، أنت، قلت ما تحب أن يقال فيك، وأن يحجب عن اسمك ما كنت راغباً في محوه، لو أنك قلت لنا كيف تحب رسم صورتك في لحظة الغياب، لو أنك قلت دعكم من هذه الحكاية، وتلك الرحلة، ولا تقفوا عند هذا التل، وعودوا بي الى حيث رغبت في أن أكون في لحظة الوحدة.

   فمن منا يقدر على تخيّل ما كنت تفكر فيه أخيراً.

   لو فعلت ذلك لرسبنا جميعاً في امتحان الحديث عنك، وربما، لو أتيحت الفرصة لكل من يريد تذكّرك، أن تكشف فيه علامات الضعف إن قصّر أو بالغ في الكلام، وكان سيكون لضحكتك أن تسخر من كل ألاعيبنا.

   ونحن نحاول الآن، بعد فوات الأوان، التعرّف على ما كنت عليه أنت، في آخر الزمان. كنت ستمزق كل الأوراق التي كتبت، وربما احتفظت ببعضها، إن وجدت فيها الحب الذي تشتهيه، وكنت لعرفت من بيننا الأقرب الى عقلك أو قلبك أو من يقدر على الاقتراب من حقيقة أحلامك.

   لكن الحياة لا تسير على هذا النحو. هي قصة تعيد سرد ذاتها مع كل غياب. وليست عند البشر أدوات جديدة لقياس الإحساس بالألم أو لحظة ملامسة الموت.

   ليس عندهم سوى ما تخيّلوه من قبل، وهم يسيرون في جنازات الآخرين، حيث ينظرون الى الحسرة والتعب والإعياء على من بقي واقفاً ينتظر موعده الآتي.

   ولأن الجمع متى التمّ، سيذكرك كاتباً عن الآخرين ولأجلهم، فإن الجمع متى انفضّ يتخيّل أنه أخذ حصته منك، وفي حالتك، يأمل الخائفون أن تصيبهم العدوى منك، ولو كانت ألماً، لكن حظهم العاثر يعيدهم الى حقيقتهم، مجرد أنفس تخاف لحظة الرذاذ الأخير.

   ولأن الحياة تسير تاركة خلفها كل شيء، فإن الموت يمنح صاحبه فقط حظ السير غير ناظر الى الخلف أيضاً.

   لكنه موت لئيم، يلزم كل الباقين، بالنظر الى ما يتحرك من حولهم، لكنه لا يمنحهم فرصة التجربة.

   وبينما تمضي النساء باكيات على حيّ لا يقرأ في عقل من رحل، ويمضي الرجال حالمين براحل يعلمنا عن مكتشفه، ها نحن، وأنت الراحل وحيداً، وقد تركتنا جميعاً، ينظر بعضنا إلى بعض، ولا نعرف إن كنا نفحص صدق حزننا على من فقدناه أو على أنفسنا، قبل أن نبتعد غارقين في الأسى.

   في لحظتي القاسية هذه، أعود معك الى من كنت تهوى مآثره، ومن رغبت في أن تكون نديمه، ذلك الجواهري الحالم بمجده دوماً، وهو يعيد على مسامعنا درسه الأزلي: قدْ يقتُلُ الحُزنُ مَنْ أحبابهُ بَعُدوا عنه، فكيفَ بمنْ أحبابُهُ فُقِدوا.

   صفحة تطوى من تاريخ الصحافة اللبنانية: طلال سلمان “يغيب ولا ينطفئ”.

                                  ********************

  • الصورة المرفقة من موقع “أقلام المقاومة”
شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version