الدار البيضاء(هرماس بريس):
بقلم: محتات الرقاص*
توالت وقائع عديدة في الفترة الأخيرة تتصل بواقع الصحافة ببلادنا، وتعني أيضا مستقبل المهنة والقطاع وصورتهما وتمثلهما من لدن الناس، وكلها وضعت الصحافة في دائرة السؤال والنقد، وأحيانا التأسي على أحوالها والحزن على ما آلت إليه مستوياتها وأوضاعها من تدني وابتذال.
الجميع تابع عديد صور ومشاهد وممارسات وصلتنا من شمال المملكة في الأيام الأخيرة، والكل يتفرج اليوم، بما في ذلك القضاء، على”جذبة”تبادل الاتهامات وكيل الشتائم والسباب عبر منصات التواصل الاجتماعي علنا وجهارا، والكل يستغرب لسلوك الهروب إلى الأمام من طرف لجنة مؤقتة عينتها الحكومة لممارسة مهام المجلس الوطني للصحافة ولكنها خرساء عن كل ما يحدث بين أرجلها، والكل أيضا غير مبال برسالة الهيئات المهنية التي رفعتها مؤخرًا إلى رئيس الحكومة طلبا لتحكيمه فيما تخطط له هذه اللجنة المؤقتة ووزارة القطاع، وأيضا العريضة التي يجري توقيعها وسط الصحفيين حول نفس الطلب.
كل هذا الذي يحدث حوالي مهنتنا وداخلها، ويلفنا جميعنا، يصفعنا كلنا بسؤال موجع:
ألن نعقل؟ ألن نخجل؟ ألن نستفيد من كل هذه الدروس الموجعة؟
الجميع مطالب اليوم بإعادة الذاكرة إلى فترة اقتراب نهاية الولاية القانونية للمجلس الوطني للصحافة المنتخب، واستحضار سجالات تلك الفترة: من رفض إجراء انتخابات مؤسسة التنظيم الذاتي بشكل عادي؟ ولو أنجز ذلك حينها، هل كنا سنصل إلى ما نحن عليه اليوم من تشرذم وتيه؟
ولنذهب بالاستحضار إلى ما قبل هذه الفترة بقليل، ولنتذكر كيف جرى تمزيق وحدة ناشري الصحف، وليسأل الجميع نفسه اليوم:
هل كان الأمر حينها بريئاً؟ هل استفادت المهنة والقطاع من ذلك؟ ألم يكن من الأجدى والأنفع لو بقي علي الأقل جسم الناشرين موحدا للتأثير في مجرى ما أعقب ذلك من أحداث؟
إن ما تلا هاتين المحطتين بعد ذلك من ممارسات وقرارات كان كله تفاصيل وتداعيات ونتائج لهذا المخطط التحكمي الكارثي.
وهذا المخطط وصل اليوم إلى الباب المسدود، لأنه فشل…
لم ينجح المخطط في الهيمنة الكلية على جسم الناشرين والقضاء على الصوت الرافض للتحكم، ولم يبن هذا المخطط بديلا جديا لتنظيم الناشرين وعانى من أزمات داخلية وحروب المصالح والحسابات والأنانيات، ولم يفلت هذا المخطط من التورط في فضيحة الفيديو الشهير، ولم يستطع هذا المخطط تقديم كفاءات بديلة تستطيع تدبير شؤون القطاع أو حتى التفكير في مقاربات عقلانية للتأهيل والتخليق والتنظيم…
ولكل هذا، ألم يحن الوقت لمن يقف وراء هذا المخطط، والذين وضعوا تفاصيله منذ أزيد من خمس سنوات أن يتعضوا ؟
أليس هذا وقت الإعتراف بفشل المخطط بكامله؟ أليس هذا وقت التمسك بالعقل وبعد النظر، وبشجاعة الإعتراف بالخطأ الأصلي؟
ومنذ بداية هذا المخطط التصفوي والتحكمي الذي استهدف جسم الناشرين إلى اليوم، ألا يجب على كل من أخطأ في تحالفاته واصطفافاته منذ ذلك الوقت، وبنى بعض الأوهام الأنانية والريعية على مغالطات أباطرة هذا المخطط الهيمني وصناعه ووعودهم، أن يقر بالخطأ في الموقف وفي التقدير ؟ وأن يبدي الندم عما تسبب فيه للمهنة من أضرار ومظاهر التشرذم والتدني؟
لنتجاوز الآن شرط… النقد الذاتي، ولنسأل زملاءنا الأعزاء، أو لنسأل أنفسنا كلنا:
أليس واجبا اليوم أن نعقل؟
أليس واجبا أن نستخرج الدروس من كل ما سبق؟
أليس واجبا أن نرى ما يتهدد المهنة والقطاع ككل وبدون استثناء أي أحد؟
ومن جهة أخرى، هذه الأسئلة الوجودية والأخلاقية لا تعني اليوم زملاء المهنة وحدهم، ناشرين أو صحفيين أو منظمات مهنية للطرفين، ولكنها تعني، قبل ذلك، من شجع مخطط الهيمنة والتحكم والتتفيه، ومن دفع، منذ البداية، نحو التشرذم والتفرقة والإنشقاق وسط المهنيين، ومن يسر الوصول إلى ذلك بالقرارات الإدارية والتمييز في الحوار والتوزيع العشوائي وغير المنصف لأموال الدعم العمومي…
إنها جهات رسمية وحكومية، داخل وزارة القطاع وعلى رأسها، وفي دواليب حكومية أخرى تمتلك القرار…
والآن، أيها السادة؟ أين وصل مخططكم هذا كله؟ من يحاسبكم؟ هل تستطيعون الاعتراف بفشلكم؟ هل تقرون بجهلكم للقطاع ولسبل تطويره والارتقاء به؟
أيها السادة،
لقد أسأتم للبلاد ولصورتها، وتسببتم لها في الحرمان من دور صحافتها الوطنية الرصينة، ومن تعبئتها للدفاع عن مصالحها العليا…
وحتى في المنافسات الكروية القارية والدولية، بما في ذلك التي أقيمت ببلادنا، تسببتم في تغييب الصحافة الرياضية المغربية الحقيقية، وأضعتم على بلادنا أدوات الدفاع عن حقوقها…
وهذه الايام، نرى نتيجة ممارساتكم ومخططكم في الوقائع التي تجري قرب معبر سبتة المحتلة وفي مناطق الشمال، ومن خلال صور بعض المهرجانات الفنية الشعبية…
أفلا تخجلون إذن من كل هذا الذي تسببتم فيه لبلادنا؟ أفلا تجرؤون على الإقرار بأخطائكم وبفشل مخططكم الأصلي للهيمنة والتحكم؟
ليس الأهم اليوم أن نبني في المهنة متاريس للدفاع عن بعضنا البعض، وأن نصرخ كلنا أن انصر أخاك ظالما او مظلوما، ولكن الأهم أن نعود إلى أصل الداء، وأن نضع نقطة النهاية للانحدار، وأن ندرك أننا أوصلنا المهنة إلى قاع القاع، ولم يعد أمامنا سوى الاعتراف بذلك وتحديد المسؤوليات، وأن نشرع في الإنقاذ، رغم أن ذلك لن يكون سهلا.
من الكوارث التي أصابت جسمنا المهني الهش أصلا، أن الإغراءات الحكومية واختراقات من يدور في فلك ذلك وتداعيات أخطبوط الهيمنة نجحت في جر بعض الأسماء الصحفية، التي كانت جادة ومحترمة، إلى الإنحناء تحت إبطها وبين أذرعها، وتحولت للتطبيل لها والتهجم على كل مخالف لرأيها والتشهير به والسعي لإخراسه، وهنا تحولت مهنتنا إلى ساحة تبادل بذيئ الكلام بين الزملاء وقطع كل الصلات فيما بينهم.
واليوم، أمام كل هذه الاستفهامات لا تجد اللجنة المؤقتة التي عينتها الحكومة أي حل أمامها سوى أن تسارع لتحديد موعد “انتخابات” المجلس الوطني للصحافة في غمرة الاستعدادات للانتخابات التشريعية المرتقبة في البلاد، وكأنها تقول للصحافة الوطنية: انشغلوا بصراعاتكم القطاعية العقيمة ولا تنشغلوا بقضايا البلاد وانتخاباتها، واتركوا السياسة تمشي لحالها من دون رقابة الصحافة او انخراطها.
هل هذا هو الهدف فعلا من كامل المخطط الهيمني منذ البداية؟ أي قتل الصحافة أصلا وإبعادها وتسفيهها؟
الصحافة اليوم، كما السياسة وكما الوطن في حاجة إلى…. الثقة.
وقف مخطط الهيمنة والتحكم وإبعاد أباطرته ورموز فيديو الفضيحة….
نبذ التشرذم بين ناشري الصحف أولا، وبينهم وبين الصحفيين وفيما بين المنظمات المهنية الأصيلة وذات المصداقية…
وقف التنابز بالكلام البذيئ بين الزملاء والتشهير فيما بينهم…
تحفيز الحوار والوحدة والتعاون وسط الجسم المهني…
تأجيل أجندة اللجنة المؤقتة القائمة على التسرع والارتجال وانفرادية القرار والفعل، وتشجيع الحوار، بدل ذلك، مع المنظمات المهنية وكل الأصوات العقلانية ذات الخبرة.
التعاون الجماعي داخل المهنة لبناء المرحلة الجديدة على قاعدة المصداقية والجدية واستقلالية التنظيم الذاتي واحترام التعددية والإنصاف…
خلق التهدئة وسط المهنة وحواليها، وإشعاع انفراج حقوقي عام داخلها، والاتفاق على إصلاح حقيقي وشامل للمنظومة القانونية المؤطرة للصحافة والنشر…
توجيه منظومة الدعم العمومي للصحافة لتعود للقواعد الأصلية القائمة على دعم التعددية والقراءة،، وتحقيق الإنصاف وعدم التمييز…
لن ننجح في كل هذا من خلال فرض أجندة متسرعة من لدن اللجنة المؤقتة أو من خلال قرارات انفرادية لوزارة القطاع أو الحكومة أو من خلال الإمعان في تمزيق الجسم المهني الوطني، ناشرين او صحفيين، أو قتل المنظمات المهنية ذات التمثيلية والخبرة والتاريخ، ولكننا يمكن أن ننجح كلنا فقط عبر تقوية وحدة الجسم المهني، بداية من ناشري الصحف اولا، والاتفاق على القواسم المشتركة في مطالبنا، والتمسك بالمشترك الكبير الذي يجمع معظم المهنيين، ثم من خلال بناء توافقات منتجة وعقلانية حول القوانين والإجراءات والتدابير وسبل الخروج من المآزق الكثيرة التي تحيط بنا وبمهنتنا اليوم.
هل نعقل إذن؟
*******************
*مدير نشر يومية”بيان اليوم”

