الرباط(هرماس بريس):
بقلم : إدريس اكديرة*
إن الكتابة عن سي عبد الكريم المالكي ليست مجرد استعادة لمسار صحافي تولّى مسؤوليات مهنية داخل وكالة المغرب العربي للأنباء، وإنما هي استحضار لقيمة الإنسان في مهنة الصحافة، ولأثر الأستاذ في تلامذته وزملائه، ولما يتركه المسؤول المهني الرصين من بصمات في نفوس من أتيحت لهم فرصة العمل إلى جانبه والتعلم من تجربته.
ليست كل الأسماء التي تعبر فضاءات المؤسسات الإعلامية تترك الأثر نفسه، وليست كل المسارات المهنية قابلة للاختزال في المناصب التي تقلدها أصحابها أو السنوات التي قضوها خلف المكاتب وفي قاعات التحرير. هناك رجال تصنعهم التجربة، وتصقلهم المسؤولية، وتمنحهم الممارسة اليومية للمهنة حكمة لا توفرها الكتب وحدها؛ رجال يظلون، حتى بعد أن يبتعدوا عن صخب العمل وضغط الأخبار، حاضرين في ذاكرة زملائهم بما راكموه من خبرة، وما جسدوه من قيم، وما قدموه من عطاء.
ومن بين هذه الأسماء التي تستحق أن تستعاد سيرتها بكثير من التقدير والوفاء، يبرز اسم سي عبد الكريم المالكي، رئيس القسم العربي سابقا بوكالة المغرب العربي للأنباء، الذي ارتبط اسمه بمسار مهني طويل داخل هذه المؤسسة الإعلامية الوطنية، وتعددت إسهاماته بين العمل الصحافي والمراسلة، وتحمل المسؤولية، والمساهمة في تأهيل الكفاءات الصحافية وتطوير قدراتها المهنية.
إنها سيرة رجل خبر الصحافة من داخل مطبخها اليومي، وعرف أن العمل الإعلامي ليس مجرد نقل للخبر وصياغة للمعلومة، بل هو ممارسة تتطلب الدقة، والانضباط، والوعي بالمسؤولية، والقدرة على التمييز بين جوهر الحدث وتفاصيله، وبين سرعة النشر وواجب التثبت.
في وكالة المغرب العربي للأنباء، حيث تتقاطع رهانات الخبر الوطني مع متطلبات التغطية الدولية، وحيث تفرض طبيعة العمل إيقاعا متسارعا لا يترك مجالًا كبيرًا للتردد أو الارتجال، راكم سي عبد الكريم المالكي تجربة مهنية جعلت منه واحدًا من الأطر الصحافية التي عرفت مسالك المهنة وتفاصيلها، وانتقلت من الممارسة الميدانية إلى تحمل مسؤوليات التحرير والتأطير.
ولعل ما يميز الصحافي الذي خبر الميدان أنه يدرك، أكثر من غيره، أن الخبر ليس كلمات ترصّ في جمل، وأن التقرير ليس مجرد سرد للوقائع، وإنما هو بناء مهني متكامل يستند إلى المعلومة الدقيقة، واللغة السليمة، والحس التحريري، واحترام أخلاقيات المهنة.
وقد ارتبطت تجربة سي عبد الكريم المالكي بالعمل الصحافي والمراسلة، ومن أبرز محطاتها تغطياته من قطاع غزة بفلسطين، حيث تتخذ الكلمة الصحافية معناها الأكثر التصاقا بالواقع الإنساني، وتصبح مسؤولية نقل الأحداث مقرونة بضرورة استيعاب تعقيداتها السياسية والميدانية، واستحضار ما تنطوي عليه من معاناة بشرية وتداعيات تتجاوز حدود المكان.

إن العمل في مثل هذه البيئات يضع الصحافي أمام امتحان حقيقي لقدراته المهنية، من حيث دقة الرصد، وحسن تقدير الوقائع، والقدرة على نقل صورة الحدث في سياقها الصحيح. ومن هنا تكتسب التجربة الميدانية قيمتها، ليس فقط باعتبارها محطة في المسار المهني، وإنما أيضًا باعتبارها رصيدًا معرفيًا يسهم في تكوين الصحافي وصقل شخصيته التحريرية.
وحين تولى سي عبد الكريم المالكي مسؤولية رئاسة القسم العربي بالوكالة، كانت المسؤولية تقتضي أكثر من الإشراف على تدبير العمل التحريري اليومي؛ كانت تقتضي القدرة على مواكبة الأخبار، وتنسيق الجهود، ومتابعة أداء الصحافيين، وضمان استمرارية العمل وفق مقتضيات المهنية والانضباط.
وفي تقديري الشخصي، فإن قيمة المسؤول داخل المؤسسة الإعلامية لا تقاس فقط بما يملكه من صلاحيات، ولا بما يترتب عن منصبه من مهام إدارية، وإنما تقاس كذلك بقدرته على توجيه العاملين معه، وتيسير عملهم، ومساعدتهم على تجاوز الصعوبات، وإشعارهم بأن المسؤولية تكليف قبل أن تكون موقعا وظيفيا.
وهنا تتجلى صورة المسؤول الرصين الذي لا يفصل بين متطلبات العمل واعتباراته الإنسانية، ولا يجعل من موقعه حاجزا بينه وبين زملائه، بل يوظف خبرته في خدمة الفريق، ويجعل من التوجيه وسيلة للتقويم، ومن الانضباط سبيلا إلى تحسين الأداء، ومن الحوار مدخلًا إلى بناء الثقة.
لقد عرفت سي عبد الكريم المالكي في سياق عملي الصحافي بوكالة المغرب العربي للأنباء، وأستطيع، من واقع تجربتي الشخصية، أن أشهد له بما لمسته فيه من تفانٍ في أداء المسؤولية، وحرص على احترام مقتضيات العمل، وإيمان بأهمية التوجيه والتأطير في بناء الصحافي وتمكينه من أدوات المهنة.
إذا كان من حقي، بوصفي صحافيا سابقا بوكالة المغرب العربي للأنباء، أن أستحضر بعض المحطات المهنية التي جمعتني بهذه المؤسسة، فإن من واجبي أيضا أن أتوقف عند أسماء تركت في مساري أثرا خاصا، وكان لها فضل في توجيهي ومساعدتي على اكتساب أدوات العمل الصحافي.
وفي مقدمة هذه الأسماء يأتي سي عبد الكريم المالكي، الذي لم يكن بالنسبة إلي مجرد مسؤول مهني أو رئيس قسم، بل كان أستاذا أتعلم على يديه، ومرجعا أعود إليه، ورجلا وجدت لديه من التوجيه والنصح ما أعانني على فهم جوانب متعددة من الممارسة الصحافية.
لقد تعلمت منه الكثير في هذا المجال، واستفدت من خبرته ومن ملاحظاته وتوجيهاته، كما لمست لديه استعدادا لمساعدة الصحافي على شق طريقه، وتذليل ما قد يعترضه من صعوبات، وإتاحة المجال أمامه كي يطور قدراته ويكتسب الثقة اللازمة لممارسة المهنة.
وليس من السهل أن ينسى المرء من أخذ بيده في بداية الطريق، أو من ساعده على ترتيب خطواته، أو من نبهه إلى تفاصيل ربما لا تكشفها التجربة الأولى، لكنها تصبح، مع مرور الزمن، من أهم أسرار النجاح في العمل الإعلامي.
إن فضل الأستاذ لا يتجلى دائما في درس مباشر أو نصيحة طويلة؛ فقد يتجسد في ملاحظة عابرة، أو تصحيح مهني في الوقت المناسب، أو كلمة تشجيع تعيد إلى الصحافي ثقته بقدراته، أو موقف مسؤول يفتح أمامه أفقا جديدا. ومن هذه التفاصيل تتشكل العلاقة النبيلة بين من يمتلك الخبرة ومن يسعى إلى اكتسابها، وبين من خبر دروب المهنة ومن لا يزال يتلمس طريقه فيها.
ولذلك، فإن شهادتي في سي عبد الكريم المالكي ليست مجاملة عابرة، ولا إطراء تفرضه مناسبة استحضار الأسماء، وإنما هي اعتراف مستحق بفضل رجل كان له أثر في تجربتي، وأسهم بتوجيهاته في تعبيد الطريق أمامي، فاستحق مني كلمة وفاء تحفظ للذاكرة حقها، ولأهل العطاء مكانتهم.
ومن الجوانب التي تستحق التوقف عندها في المسار المهني لسي عبد الكريم المالكي اهتمامه بمجال التكوين الصحافي، إذ تولى تنسيق لجنة التكوين بوكالة المغرب العربي للأنباء، وأسهم في الجهود المرتبطة بالإعداد لافتتاح مركز التكوين التابع للوكالة، وهو توجه يعكس إدراكا لأهمية الاستثمار في الكفاءات البشرية، باعتبارها الركيزة الأساسية لأي مؤسسة إعلامية تطمح إلى التطور والاستمرارية.
فالصحافة، مهما تطورت وسائلها وتعددت منصاتها، تظل مهنة تقوم على المعرفة والمهارة والخبرة، ولا يكفي فيها الاستعداد الفطري أو امتلاك ناصية اللغة وحدهما. إنها تحتاج إلى تكوين مستمر، وإلى مواكبة للتحولات التي تعرفها وسائل إنتاج الخبر وتوزيعه، وإلى ترسيخ ثقافة التثبت والتدقيق، واحترام أخلاقيات العمل الصحافي، واستيعاب التحولات التكنولوجية التي أعادت تشكيل العلاقة بين الصحافي والمعلومة والمتلقي.
ومن هذا المنظور، فإن التكوين ليس نشاطا تكميليا يمكن الاستغناء عنه عند ضغط العمل، وإنما هو جزء من صميم السياسة المهنية لأي مؤسسة إعلامية. فكل استثمار في تكوين الصحافي هو استثمار في جودة المنتوج الإعلامي، وفي مصداقية المؤسسة، وفي قدرتها على مواكبة المستجدات دون التفريط في الثوابت المهنية.
وتزداد أهمية هذه المهمة حين يضطلع بها صحافيون راكموا تجربة ميدانية وتحريرية، لأنهم يستطيعون نقل المعرفة من مستوى المبادئ العامة إلى مستوى الممارسة اليومية، وتقديم أمثلة واقعية تساعد الأجيال الجديدة على استيعاب طبيعة المهنة ومواجهة تحدياتها.
إن إسهام سي عبد الكريم المالكي في مجال التكوين يندرج ضمن ذلك الجانب من العمل الصحافي الذي قد لا يحظى دائما بالاهتمام الذي يستحقه، لكنه يظل من أكثر الجوانب تأثيرا في مستقبل المؤسسات الإعلامية؛ ذلك أن الصحافي المتمرس لا يترك أثره فقط في الأخبار التي يحررها، بل يتركه أيضا في الصحافيين الذين يساعدهم على اكتساب الخبرة وتطوير أدواتهم.

في المهن التي تتطلب الدقة وسرعة الاستجابة، يصبح الانضباط شرطا من شروط النجاح، وتغدو المسؤولية الأخلاقية جزءا لا يتجزأ من المسؤولية المهنية. والصحافة، بحكم طبيعتها، من أكثر المهن احتياجا إلى هذين العنصرين، لأنها تتعامل مع وقائع وأحداث ومعلومات تؤثر في الرأي العام، وتساهم في تشكيل معرفة المجتمع بما يجري حوله.
ومن خلال ما عرفته عن سي عبد الكريم المالكي، أراه نموذجا للمسؤول الذي أدى رسالته المهنية بما تتطلبه من جدية وتفان والتزام، وحرص على أن تكون المسؤولية مقرونة بالرصانة، وأن يكون الانضباط مدخلا إلى جودة العمل، لا مجرد إجراء إداري.
ولعل أجمل ما يمكن أن يتركه المسؤول بعد سنوات من العمل ليس سجل المهام التي أشرف عليها وحده، وإنما أيضا الانطباع الطيب الذي يحمله عنه زملاؤه، والدروس التي يستبطنونها من تجربته، والذكريات المهنية التي تعود إليهم كلما استحضروا مرحلة من مراحل حياتهم العملية.
فالمؤسسات لا تصنعها الهياكل واللوائح وحدها، وإنما يصنعها كذلك رجال ونساء يمنحون العمل معنى، ويحولون الخبرة الفردية إلى رصيد جماعي، ويجعلون من التجربة المتراكمة وسيلة لمساعدة الآخرين على التقدم.
وهذه، في تقديري، إحدى أهم الدلالات التي يمكن استخلاصها من مسار سي عبد الكريم المالكي : أن المهنية الحقيقية لا تنفصل عن السلوك، وأن الخبرة تزداد قيمة حين تصبح قابلة للتقاسم، وأن المسؤولية تبلغ أسمى معانيها عندما تتحول إلى خدمة للمؤسسة وللعاملين فيها وللمهنة التي ينتمون إليها.
منذ سنوات خلت، غادر سي عبد الكريم المالكي الحياة المهنية النشيطة إلى التقاعد، بعد مسار ارتبط بوكالة المغرب العربي للأنباء وبعدد من المهام الصحافية والتحريرية والتكوينية.
غير أن التقاعد، وإن كان نهاية لمرحلة من الالتزامات اليومية ومواعيد التحرير وضغط الأخبار، لا يعني بالضرورة نهاية الحضور في الذاكرة المهنية. فهناك رجال تستمر تجربتهم في التأثير حتى بعد مغادرتهم مواقع العمل، لأن ما راكموه من معرفة، وما قدموه من توجيه، وما جسدوه من قيم، لا ينتهي بانتهاء العلاقة الوظيفية.
إن الوفاء لهؤلاء الرجال يقتضي أن نستعيد سيرهم في حياتهم، وأن نعترف بما قدموه من خدمات، وأن نمنح التجربة المهنية حقها من التقدير والتوثيق. فذاكرة المؤسسات الإعلامية ليست ملكا للأرشيف وحده؛ إنها أيضا ذاكرة إنسانية تتكون من العلاقات المهنية، ومن الخبرات المتبادلة، ومن المواقف التي تظل حية في وجدان من عاشوها.
ومن حق سي عبد الكريم المالكي، وهو اليوم متقاعد بعد سنوات من العمل والعطاء، أن يحظى بكلمة تقدير من زملائه ومن كل من عرفوه عن قرب، لا باعتبارها تكريما لمسار انتهى، بل اعترافا بأثر لا يزال ممتدًا في نفوس من استفادوا من تجربته وتوجيهاته.
وأنا أكتب هذه السطور، بصفتي إدريس اكديرة، الصحافي السابق بوكالة المغرب العربي للأنباء، أجدني مدفوعا إلى الجمع بين شهادة الزميل وامتنان التلميذ؛ فالأولى تستحضر كفاءة الرجل ومكانته المهنية، والثانية تعترف بفضله الشخصي وما قدمه لي من توجيه ومساعدة.
لقد كان سي عبد الكريم المالكي بالنسبة إلي مرجعا مهما في مجال الإعلام بالمغرب، ومهنيا مقتدرا، ومكونا للأجيال من الصحافيين، ومسؤولا رصينا متفانيا ومنضبطا، أدى رسالته بكل ما تستوجبه من مسؤولية وإخلاص.
ولقد تعلمت على يديه الكثير، ووجدت في توجيهاته ما ساعدني على فهم المهنة بصورة أعمق، وفي دعمه ما شجعني على مواصلة الطريق بثقة أكبر. وهي أمور لا تقاس دائما بلغة الأرقام أو بعدد السنوات، بل بما تتركه من أثر في التكوين الشخصي والمهني للإنسان.
إنني، وأنا أستحضر هذه التجربة، لا أكتب عن اسم في سجل المسؤولين السابقين بوكالة المغرب العربي للأنباء فحسب، وإنما عن رجل من رجال المهنة الذين يستحقون أن تحفظ الذاكرة أسماءهم، وأن تروى تجاربهم للأجيال الجديدة، وأن يقال في حقهم ما يليق بما بذلوه من جهد وما قدموه من عطاء.
تحية تقدير ووفاء لسي عبد الكريم المالكي، الصحافي والمسؤول والمكوّن، الذي علّم ووجّه وعبّد الطريق أمام غيره، وظل مثالا للرجل الذي يدرك أن قيمة الخبرة لا تكتمل إلا حين يضعها صاحبها في خدمة الآخرين.
فطوبى لمن جعل من الصحافة مهنة، ومن المسؤولية أمانة، ومن التجربة مدرسة، ومن علاقته بزملائه رصيدا من الاحترام والتقدير.
وإذا كانت السنوات قد حملته من صخب التحرير إلى هدوء التقاعد، فإن ما زرعه من أثر مهني وإنساني سيظل شاهدا على أن الرجال لا يغادرون حقا حين يغادرون مكاتبهم، بل حين تنطفئ آثارهم في ذاكرة من عرفوهم وتعلموا منهم. وذلك، في حق سي عبد الكريم المالكي، أثر يستحق الوفاء.
(متعه الله بموفور الصحة وطول العمر).
**********
* صحفي سابق بوكالة المغرب العربي للأنباء

