أكادير(هرماس بريس):
صدر مؤخرًا عن مطبعة “صوم برانت” بأكادير كتاب جديد للدكتور المهدي بن محمد السعيدي، أستاذ التعليم العالي بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بجامعة ابن زهر، تحت عنوان: “مدارس سوس العتيقة من الأصول التاريخية إلى مخاطر الاندثار”.
يأتي هذا الإصدار ضمن سلسلة الدراسات الفكرية التي يعكف عليها الباحث، في إصدارها الثالث، وهو ثمرة سنوات من البحث والاحتكاك المباشر بالمؤسسات التعليمية التقليدية في سوس.
يرصد المؤلف في عمله التحولات الكبرى التي عرفتها المدارس العتيقة بالجنوب المغربي، منذ نشأتها الأولى في أحضان المساجد، مرورًا بمحطاتها الكبرى في الرباطات خلال القرون الهجرية الأولى، ثم تطورها في العصور الإسلامية اللاحقة تحت رعاية الدول المرابطية والموحدية والمرينية، وصولًا إلى العصر الحديث، حيث باتت هذه المدارس تواجه تحديات حقيقية تهدد استمراريتها ووظيفتها.
ويتوقف الكتاب مطولًا عند جهود الإصلاح التي طالت المدارس العتيقة بعد الاستقلال، مع التركيز على ردود الفعل التي أثارها الظهير المنظم لها مطلع الألفية الجديدة، مسلطًا الضوء على المواقف المختلفة لعلماء وأساتذة هذه المؤسسات من هذا الإصلاح، والتعقيدات التي رافقت تنفيذه. ويسجل المؤلف هذه المعطيات من موقع المطلع والمشارك، واضعًا تجربته الشخصية في خدمة التوثيق العلمي.
ويُبرز الكتاب كيف شكّلت المدارس العتيقة فضاءات للحفاظ على المرجعيات الدينية الوطنية، من مذهب مالكي، وعقيدة أشعرية، وتصوف سني عملي. كما كانت – حسب ما يبينه المؤلف – مؤسسات لتخريج علماء أدوا أدوارًا مركزية في الدفاع عن وحدة الأمة، وفي تقديم الفتوى، ومواجهة الاحتلال الأجنبي، وفي مخاطبة الحكّام من أجل إصلاح الأوضاع.
كما يتناول العمل بالتفصيل محطات التراجع التي عرفتها هذه المدارس في ظل الاحتلال الفرنسي، حيث فقدت الكثير من مكانتها، قبل أن تظهر محاولات لإعادة تأهيلها، خاصة مع إنشاء المعهد الإسلامي بتارودانت، الذي فتح آفاقًا جديدة أمام طلبة التعليم العتيق للاندماج في مسارات التعليم الجامعي الرسمي.
ويخصص المؤلف جزءًا مهمًا من الكتاب لدراسة نماذج واقعية من مدارس سوس، مثل مدرسة الجامع الكبير بتارودانت، ومدرسة إداومنو بهشتوكة، ومدارس أيت براييم، وزاوية الرحمة والأمان، مع تقديم معطيات دقيقة حول تاريخها واعلام خريجيها، ومناهج التدريس بها وأساليب التكوين المعتمدة، التي حافظت على عمق علمي متين رغم بساطة الوسائل.
كما يُعرّف المؤلف ببعض الشخصيات العلمية البارزة التي تخرجت من هذه المدارس وأسهمت في إصلاح المجتمع، من خلال علاقتها الوثيقة بالحكام والسلطة، عبر اللقاءات المباشرة أو المراسلات، مما يكشف عن دينامية علمية واجتماعية لم تكن هذه المدارس بمعزل عنها.

