أكادير(هرماس بريس): عن “ barlamane.com”
أصبح الهاتف الذكي جزءا أساسيا من الحياة اليومية، إلى درجة أن ملايين الأشخاص لم يعودوا بحاجة إلى حفظ أرقام الهواتف أو تذكر المواعيد أو حتى معرفة الطرق بأنفسهم، بعدما تولت الأجهزة الرقمية القيام بهذه المهام؟
فقد بدأ الباحثون يدقون ناقوس الانتباه إلى التأثير المتزايد لهذا الاعتماد على الذاكرة البشرية، في ظاهرة تعرف بـ”فقدان الذاكرة الرقمية”، حيث تتحول الهواتف إلى مخزن خارجي للمعلومات بدل الاحتفاظ بها في العقل، وفق ما أوردته صحيفة “الغارديان” البريطانية.
وأوضح باحثون في علم النفس أن الهواتف الذكية باتت تؤدي دور “ذاكرة إضافية” تحتفظ بالأرقام والمواعيد وقوائم المهام والصور، ما خفف من الحاجة إلى حفظ كثير من التفاصيل كما كان يحدث في السابق؛ ويرى المختصون أن الأمر لا يعني تراجع قدرات الدماغ، بل يعكس تغيرا في أسلوب تعامل الإنسان مع المعلومات، إذ أصبح يعتمد على الأجهزة لاسترجاعها بدل تخزينها داخليا.
وأكدت دراسات علمية أن الهواتف الذكية لا تؤدي إلى إضعاف دائم للذاكرة، لكنها قد تقلل من ممارسة مهارات الحفظ واسترجاع المعلومات إذا أصبح الاعتماد عليها كاملا، وهو ما قد يؤثر على كفاءة هذه القدرات الذهنية التي تحتاج إلى التدريب المستمر للحفاظ على فعاليتها.
وكشفت دراسة شهيرة نشرت سنة 2011 في مجلة “Science”، بعنوان تأثيرات غوغل على الذاكرة، أن الأشخاص يصبحون أقل ميلا إلى حفظ المعلومات عندما يدركون أنهم قادرون على الوصول إليها بسهولة عبر الإنترنت، بينما ترتفع قدرتهم على تذكر المكان الذي توجد فيه تلك المعلومات، في إشارة إلى أن الدماغ يعيد تنظيم طريقة تعامله مع المعرفة بدلا من التوقف عن العمل.
وأشار الباحثون إلى أن الاستعانة بوسائل خارجية لحفظ المعلومات ليست ظاهرة جديدة، إذ سبق للإنسان أن اعتمد على الكتب والمذكرات، إلا أن الهاتف الذكي يختلف بكونه يرافق صاحبه باستمرار، ويضم كما هائلا من البيانات الشخصية، ما يجعله أقرب إلى ذاكرة متنقلة ترافق الإنسان في مختلف تفاصيل حياته.
ولفتت دراسات أخرى إلى أن تطبيقات الملاحة، مثل “غوغل مابس”، غيرت بدورها طريقة استخدام الذاكرة المكانية، بعدما كان الأشخاص يعتمدون على تكوين صورة ذهنية للطرق والأماكن، بينما أصبحوا اليوم يتبعون التعليمات الصوتية والخرائط الرقمية للوصول إلى وجهاتهم.
وأظهرت دراسة نشرت في مجلة “Scientific Reports” أن الاستخدام المتكرر لأنظمة الملاحة قد يرتبط بتراجع أداء بعض الأشخاص في مهام التنقل عندما يطلب منهم الاعتماد على ذاكرتهم فقط، غير أن الباحثين شددوا على أن ذلك لا يمثل ضررا دائما، بل نتيجة طبيعية لضعف ممارسة هذه المهارات مع مرور الوقت.
واستحضر العلماء تجربة سائقي سيارات الأجرة في لندن، التي أثبتت قدرة الدماغ على التكيف مع التدريب المكثف، بعدما بينت أبحاث أن حفظ آلاف الشوارع والطرق انعكس على تطور منطقة “الحُصين” في الدماغ، المسؤولة عن الذاكرة والتوجيه المكاني، ما يؤكد أن القدرات الذهنية تتطور أو تتراجع بحسب مستوى استخدامها.
وحذر مختصون من أن التأثير المحتمل للهواتف لا يقتصر على تخزين المعلومات فقط، بل يمتد إلى الإشعارات المتواصلة والتنقل السريع بين التطبيقات، وهو ما يؤدي إلى تشتيت الانتباه وتقليص القدرة على التركيز لفترات طويلة، الأمر الذي قد ينعكس على تكوين الذكريات وترسيخها بمرور الوقت.

