تارودانت: هرماس بريس
يخال زائرها أنه كائن بشري تائه في ملذات حلم وسط غابة الأمازون الاستوائية، حيث تحيط به الأشجار الباسقة، والنباتات الفطرية التي أعطت للمكان وشاحا أخضر تبتهج له العيون، وتنشرح له القلوب.
طيور من مختلف الأصناف، وبأزهى الألوان الربانية لا تتوقف عن التغريد، وكأنها تقول للزائر: “مرحبا بك في هذا الفردوس” المستوطن وسط بقايا أشجار الزيتون، التي دب السوس في أغصانها اليابسة بفعل التغيرات المناخية، لكنها مع ذلك ما تزال تعاند قساوة الطبيعة والزمن، حيث تشرئب أعناقها للتملي بشموخ السور التاريخي الشاهد على عظمة مدينة تارودانت، الضاربة بجذورها في عمق الحضارة.
إنه فضاء إيكولوجي فريد من نوعه، “يستفز” ذاكرة وعواطف أبناء وبنات رودانة، حاضرة سوس، ممن هم في العقد الخامس في العمر وما بعده، لاستحضار زمن مضى، حين كانت السواقي لا يتوقف إيقاع خريرها بفعل جريان مياه “تارغونت” و”تاملات” و”تافلاكط” و”تافوكت” … التي لم تكن تخترق مجاريها البساتين الغناء الدائمة الاخضرار والولود المعطاء فقط، بل كانت تعبر حتى الدور السكنية، وسط المدينة، وفي محيطها.
إنها الحديقة/ المقهى والمطعم الإيكولوجي لتارودانت الذي تفتق تصميمه عن الذكاء الثاقب للناشط الإيكولوجي، عبد الواحد فكري، بعدما اشتغل بكل ما أوتي من عزيمة ومقاومة وتحدي، على تحويل أحد بساتين “حي بوتريالت”، الذي كاد الجفاف وحدة العطش أن يفتكا بأشجاره، ليحوله إلى مستنبت أحيى لدى الساكنة المحلية لتارودانت ارتباطها وحبها الدفين للطبيعة والاخضرار.
الفضاء الذي انطلق في البداية كمستنبت، وشهد تحولات جمالية مبتكرة على مر حوالي عقدين من الزمان، أصبح اليوم مقهى ومطعما يستقبل زواره، من سكان مدينة تارودانت ومن حلوا ضيوفا عليها، وسط حديقة إيكولوجية غناء، يستحيل على الوافد عليها أن يخفي انبهاره بتصميمها البديع، ونباتاتها التي تنوعت ما بين النخيلات ، والنباتات المتسلقة، والأشجار المثمرة، والأزهار، والشجيرات، والنباتات المائية، والصبريات، والنباتات اللحيمة، وأشجار الزينة غير المثمرة، والشجيرات، والنباتات العطرية وغيرها.

تلك هي الحديقة/ المقهى المطعم الإيكولوجي لتارودانت التي تجعل الوافد عليها يستذكر ما تفوه به الشاعر العربي العظيم أبو الطيب المتنبي، في قصيدته الفخرية حين قال:
أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي وأسمعت كلماتي من به صمم
ويحق للحديقة الإيكولوجية لتارودانت، أن تتغنى على لسان مصممها الناشط الإيكولوجي، عبد الواحد فكري وقرينته سعاد بحاد، على منوال أبي الطيب المتنبي:
أنا الذي نظر الأعمى إلى شجري وأسمعت حفيفه من به صمم

