أكادير(هرماس بريس):
بقلم: عبد الرزاق هرماس*
قدّر لي يوم الجمعة 09 رجب 1446هـ، الموافق لـ: 10 يناير 2025م وأنا في مسجد جامع أنصت لخطبة الصلاة أن تمنيت معرفة ظروف كتابة الفقرات التي تليت فوق المنبر؟
ولقد شككت في أمرها، حتى رجعت عقب الصلاة إلى موقع مديرية المساجد بوزارة الأوقاف على الرابط: www.habous.gov.ma فوجدت نص الخطبة وتأكدت من مصدرها، ويا ليت موقع الوزارة أتم فضله بذكر اسم محرّرها حتى يعرف.
وأقف في هذه الورقة على أنموذجين مما سمعه المنصتون في الخطبة الأولى مما يحتاج للتفكير في برنامج لمحو الأمية عند من يحرر خطبة الجمعة :
- ففي السطر السادس من الخطبة الأولى ـ كما سمعها المصلّون وهي على الموقع ـ ورد ما يلي: […إن مما يجب الالتزام به، باعتباره وصية جاء بها القرآن وأكد عليها نبينا العدنان …].
المسلمون يعلمون أن نسب رسول الإسلام صلى الله عليه وسلم وأسماءه استوفتها كتب الحديث والسيرة،وليس ضمنها [العدنان]، بل “عدنان” ـ بدون اضافة ـ هو جده العشرون،ولو كتبت الخطبة في حاسوب به برنامج بيان الأخطاء لظهر تحت [العدنان] خط أحمر للتصحيح لأن اللفظ لا يصح في اللسان العربي .
ولو تركنا المعجم ورجعنا إلى مؤلفات السيرة وكتب دلائل النبوة لوجدنا عددا من مصنفيها يستعملون عند ذكره عليه الصلاة والسلام: “ولد عدنان“ أو “خير ولد عدنان“ ولم يستعملوا [العدنان]؛إذ هذه الصيغة العامية ـ في حدود علمي ـ لا تستعمل سوى بين أصحاب “الحلقات” في الساحات العامة مثل جامع الفنا بمراكش حين تخصص الحلقة للمولد ولا تستعمل في خطب المساجد الجامعة .
- وفي السطر 26 من نفس الخطبة التي سمعها المنصتون وهي على الموقع جاء الكلام عن السلطان محمد الخامس رحمه الله، وفيها أنه قام بـ:[…اختيار الوقت المناسب لتقديم وثيقة المطالبة بالاستقلال، في عز الحرب العالمية الثانية…]
و”عزّ الشيء” في لسان العرب شدته ومشقته، وعز الحرب العالمية الثانية أوج شدّتها.
والذي درسه المغاربة في المؤسسات التعليمية أن اليابان هزمت في الحرب الثانية عام 1942 وإيطاليا استسلمت 1943 وألمانيا هزمت في الجبهة الشرقية 1943؛ فلسنا حين قدّمت وثيقة المطالبة بالاستقلال عام 1944 في “عز الحرب العالمية” كما جاء في خطبة الجمعة بل في مرحلة أفولها وهزيمة من أشعلها .
أما سمي في الخطبة “اختيار الوقت المناسب…” فالمعروف في تاريخ المغرب المعاصر أن السلطان محمد الخامس كان له نصيب من الدهاء السياسي،لذا رأى أن الوقت المناسب هو فترة ضعف الدولة الفرنسية فلم يقدّم وثيقة المطالبة بالاستقلال للمقيم العام للحماية في”عز الحرب” ابان حكومة فرنسا المتحالفة مع ألمانيا النازية واسمه شارل نوكيس Charles Noguès،بل انتظر رحمه الله حتى فرّ هذا المقيم إلى البرتغال عقب اقالته من قبل ديغول قائد تحرير فرنسا في 4 يونيو 1943 وعيّن مكانه جبرييل بوو Gabriel Puaux فقدمها إليه في 11 يناير 1944م، لأن فرنسا كانت آنذاك تمر من حالة ضعف حتى أنه ـ كما تبث تاريخيا ـ لم يكن لديها رئيس؛ ومن أراد الاطلالة على هذه الحقبة من التاريخ المغربي المعاصر فلينظر كتابا مختصرا متداولا بالمغرب هو: “الحماية الفرنسية بالمغرب بين الأوج والأفول تحت قيادة الجنرال نوكيس” الذي ترجمه إلى العربية فقيد البحث التاريخي إبراهيم بوطالب رحمه الله ونشرته جامعة محمد الخامس.
فماذا بإمكان المنصت للخطبة أن يعتقد بعد سماعها ؟
الحال لا يخرج عن احتمالين لا ثالث لهما: إما أن الخطبة حررت ارتجالا ووزعت، وإما أن من تولاها لا يعرف ما هو معلوم من تاريخ المغرب بالضرورة…
فماذا في وسع المنصت لمثل هذه الخطب أن يفعل ؟؟؟ إذ بعد أن قضيت الصلاة انتشرت مع من حضرها في أرض الله فحدثتني نفسي:
لو أن الله جعل للتخلف عن خطبة الجمعة فدية كما شرعها لأصحاب الأعذار في الصوم لكان من الإشفاق على أذن المرء أن يؤدي الفدية بديلا عن خطبة يصير فيها المنصت حيرانا ؟؟؟
********************
*أستاذ باحث، متخصص في علوم القرآن.

