أكادير(هرماس بريس):
بقلم: عبد الرحيم بوزياني*
في زمن باتت فيه السرعة معيارا، والتجديد شعارا، والتغيير هاجسا دائما داخل المؤسسات، يبدو الحديث عن الوفاء للخبرة وكأنه ترف فكري أو حنين إلى الماضي. غير أن الجامعة، بحكم رسالتها العلمية والأخلاقية، لا يمكنها أن تبنى بمنطق القطيعة مع ذاكرتها، ولا أن تستمر إذا تجاهلت أولئك الذين صنعوا أسسها وكرسوا أعمارهم لخدمتها. ومن هنا تبرز مكانة الأستاذ الجامعي المخضرم، لا باعتباره مجرد فاعل سابق في مسار المؤسسة، بل بوصفه رصيدا حيا من الحكمة، والتجربة، والتراكم المعرفي. لكن المفارقة المؤلمة أن هذا الرصيد، بدل أن يصان ويكرم، يجد نفسه أحيانا في مواجهة التهميش، أو الجفاء، أو حتى الازدراء. فكيف يمكن لجامعة أن تحفظ مستقبلها إذا لم تحفظ وفاءها لمخضرميها؟
من بين الصور التي تفرض نفسها بقوة داخل هذا السياق، صورة الأستاذ الجامعي المخضرم، ذاك الذي أمضى عقودا من حياته بين المدرجات، والمختبرات، والمكتبات، وبين دفاتر الطلبة وأسئلة الباحثين، يصنع العقول، ويوجه المسارات، ويرسم ملامح أجيال كاملة. غير أن المفارقة المؤلمة تكمن في أن بعض هؤلاء، ما إن يقتربوا من نهاية مسارهم المهني أو يبلغوا مرحلة متقدمة من العطاء، حتى تبدأ نظرة بعض المحيطين بهم في التغير، وكأن الزمن الذي منحهم الحكمة والخبرة، قد سلب منهم قيمتهم العلمية.
هنا تكمن الإشكالية الحقيقية: هل يقاس الأستاذ الجامعي بعمره البيولوجي أم برصيده المعرفي؟ هل يصبح الذي أنفق أربعين سنة في البحث والتدريس أقل قيمة لأنه تقدم في مساره المهني؟ وهل يمكن للمؤسسة الجامعية أن تستغني بسهولة عن ذاكرة حية تختزن تاريخا من التجربة والعلم؟
إن الأستاذ الجامعي المخضرم ليس مجرد موظف أدى مهمة وانتهت، بل هو مؤسسة قائمة بذاتها. هو ذاكرة علمية حية، يحمل في عقله تجارب لا تدون كلها في الكتب أو الملفات العلمية، ولا تختزل في السير الذاتية. هو من عاش تحولات الجامعة، وواكب تغير البرامج والمناهج، وشهد تبدل الأجيال، وخبر تفاصيل العمل الأكاديمي من جذوره، وساهم في بناء وترسيخ مكتسبات مادية وأكاديمية ومؤسساتية، لا تزال الجامعة إلى اليوم تجني ثمارها، ويستفيد منها الجميع، باعتبارها حصيلة سنوات طويلة من العطاء والتفاني والبناء. فحين نتحدث عن الأستاذ المخضرم، فإننا لا نتحدث عن شخص، بل عن رصيد معرفي وإنساني متكامل.
لقد علمنا التاريخ أن الحضارات التي احترمت شيوخها وعلماءها هي التي استطاعت أن تؤسس استمرارية معرفية متينة. فالخبرة ليست مجرد تراكم زمني، بل هي تراكم في الفهم، في الرؤية، في القدرة على التمييز بين العابر والجوهري. والأستاذ المخضرم، بحكم ما راكمه من تجارب، يصبح أكثر قدرة على قراءة الواقع الجامعي بعمق، وأكثر حكمة في التعامل مع أزماته وتعقيداته.
ومع ذلك، نجد في بعض البيئات الجامعية نوعا من الجفاء الصامت تجاه هذه الفئة. أحيانا يتم تهميشهم في النقاشات، أو تجاوز آرائهم، أو التعامل معهم باعتبارهم ينتمون إلى جيل مضى، وكأن الحداثة تقتضي القطع مع الخبرة، لا الاستفادة منها. وهذا فهم قاصر، لأن الجامعة لا تبنى بالقطيعة، بل بالتكامل بين الأجيال.
إن الأستاذ الشاب يأتي بحيوية التجديد، وأدوات العصر، وحماس التغيير، لكن الأستاذ المخضرم يأتي بما هو أعمق: البصيرة. والبصيرة هنا ليست مجرد معرفة، بل قدرة على استشراف العواقب، وعلى فهم السياقات، وعلى التمييز بين ما هو إصلاح حقيقي وما هو مجرد انبهار مؤقت بالجديد.
ولعل من أكثر الظواهر المؤلمة داخل بعض الفضاءات الجامعية اليوم، أن يصدر أحيانا من بعض الأساتذة الجدد نوع من التعالي أو الازدراء تجاه الأساتذة المخضرمين، وكأن حداثة التعيين أو امتلاك بعض الأدوات الجديدة تمنحهم شرعية لتجاوز من سبقوهم. وهي مفارقة تكشف خللا عميقا في الوعي الأكاديمي؛ لأن من يدخل الجامعة اليوم محملا بشهاداته، إنما يسير على طريق عبده له أولئك الذين سبقوه بسنوات طويلة من الجهد والتضحية. فليس من النبل العلمي أن يتحول الاختلاف بين الأجيال إلى استصغار للخبرة أو انتقاص من قيمة أصحابها. إن الأستاذ الجديد، مهما بلغ من الكفاءة، يظل في حاجة إلى حكمة من سبقوه، لأن الجامعة لا تختزل في المعرفة التقنية وحدها، بل تقوم أيضا على تقاليد علمية وأخلاقية لا تكتسب إلا بالمعايشة والتجربة. وحين يتحول الاحترام إلى استعلاء، فإننا لا نكون أمام أزمة أجيال فقط، بل أمام تصدع في القيم المؤسسة للجامعة نفسها.
لقد أثبتت الجامعات الكبرى في العالم، مثل جامعة هارفارد وجامعة أكسفورد وجامعة السوربون، أن الأستاذ لا تنتهي قيمته بانتهاء سن العمل الإداري. بل إن كثيرا من هذه المؤسسات تحتفظ بأساتذتها المخضرمين في مواقع استشارية، أو تمنحهم وضعية الأستاذية الفخرية، أو تستثمرهم في الإشراف العلمي والتوجيه الاستراتيجي، إدراكا منها أن خسارة الخبرة لا تعوض بسهولة.
وفي واقعنا العربي، ما أحوجنا إلى ترسيخ هذه الثقافة. فما يزال التقدير المؤسساتي للأستاذ المخضرم محدودا في كثير من الأحيان، ويقتصر غالبا على لحظات شكلية، بينما المطلوب هو تقدير مستدام، يتجسد في الممارسة اليومية، وفي إشراكهم في صنع القرار الأكاديمي، وفي الاستفادة من خبراتهم في تأطير الأساتذة الجدد. فالاحترام ليس مجرد كلمات تقال في مناسبات التكريم، بل هو سلوك يومي. هو أن نصغي إليهم، أن نستشيرهم، أن نحفظ مكانتهم، وأن نعترف بفضلهم دون تردد. لأن الاعتراف بالفضل ليس فقط قيمة أخلاقية، بل هو أيضا شرط لاستمرار التوازن داخل المؤسسة.
علاوة على ما سبق، يحتاج الطالب نفسه إلى رؤية هذا النموذج من الوفاء. حين يرى أستاذه المخضرم يعامل باحترام وتقدير، فإنه يتعلم درسا عميقا في الأخلاق العلمية. يتعلم أن المعرفة ليست استهلاكا للمعلومة فقط، بل هي أيضا علاقة إنسانية قائمة على الامتنان والتقدير. وهكذا تصبح الجامعة مدرسة للقيم كما هي مدرسة للمعرفة.
إن المأساة الحقيقية ليست في أن يتقدم الأستاذ في مساره، بل في أن تكبر المؤسسة وتفقد ذاكرتها. لأن الجامعة التي تنسى رجالها ونساءها الذين صنعوا مجدها، هي جامعة تهدم جزءا من تاريخها بيدها. والمؤسسات التي لا تحفظ جميل من خدموها، لا يمكنها أن تنتظر ولاء حقيقيا من أجيالها الجديدة. فالوفاء ليس شعارا، بل ثقافة. وثقافة الوفاء تبدأ من الاعتراف بأن الإنسان الذي منح عمره للعلم يستحق، في المقابل، أن يمنح الاحترام، والتقدير، والاعتراف. لا لأنه بلغ مرحلة متقدمة من مساره، بل لأنه كبير في القيمة.
إن بعض الأساتذة المخضرمين قد لا يملكون اليوم نفس طاقة الأمس، لكنهم يملكون ما هو أثمن: الحكمة. والحكمة في الجامعة تساوي أحيانا أكثر من كل الطاقات الأخرى. هي التي تضبط الإيقاع، وتمنح التوازن، وتحفظ التقاليد العلمية من الانهيار أمام موجات التسرع أو الارتجال. وحين نتأمل مسيرة أستاذ جامعي أفنى أربعين سنة أو أكثر في خدمة الجامعة، فإننا لا نرى مجرد سنوات، بل نرى أجيالا من الأطباء، والمهندسين، والقضاة، والباحثين، والأساتذة أنفسهم، الذين مروا من بين يديه. أي قيمة أكبر من هذه؟ وأي أثر أبقى من هذا؟ إن الوفاء للأساتذة المخضرمين هو وفاء للعلم نفسه، لأنهم حملته وحموه وورثوه. وهو وفاء للتاريخ، لأنهم جزء من ذاكرة المؤسسة. وهو وفاء للمستقبل، لأن الأجيال الجديدة لن تحترم مؤسساتها إن رأت هذه المؤسسات تتنكر لمن صنعوها.
على سبيل الختم، تبقى الجامعة أكبر من بناياتها ومقرراتها وإداراتها؛ إنها قبل كل شيء رجال ونساء حملوا رسالتها بإخلاص. ومن بين هؤلاء، يظل الأستاذ الجامعي المخضرم رمزا للعطاء الطويل، وللصبر العلمي، وللإيمان العميق بأن المعرفة رسالة قبل أن تكون مهنة. فقيمة الجامعة لا تقاس فقط بعدد خريجيها، ولا بحجم أبحاثها، ولا بتصنيفاتها الدولية، بل تقاس أيضا بمدى وفائها لمن صنعوا مجدها بصمت طويل وعطاء متواصل. فالأستاذ الجامعي المخضرم ليس مجرد صفحة من الماضي، بل هو جزء من الحاضر وركيزة للمستقبل. وكل مؤسسة تهمل خبرتها، إنما تفرط في جزء من حكمتها. لذلك، فإن احترام الأستاذ المخضرم ليس مجرد واجب أخلاقي، بل هو معيار حقيقي لمدى نضج الجامعة ورقيها. لأن الخبرة لا تشيخ، لكن المؤسسات قد تشيخ أخلاقيا حين تفقد قدرتها على الاعتراف بالجميل.
********************
* أستاذ باحث في القانون الدستوري وعلم السياسة، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية أكادير – جامعة ابن زهر

