دمشق(هرماس بريس):  

                        بقلم: مصطفى المقداد*

   في مشهد حمل دلالات سياسية وأمنية عميقة، شهدت العاصمة دمشق تفجيرين وصِفا بالبدائية، تزامنا ًمع انطلاق موكب الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في طريقه إلى قصر الشعب للقاء الرئيس أحمد الشرع. لكن هذه المحاولة اليائسة، التي أسفرت عن إصابة 18 شخصاً بينهم 4 من رجال الشرطة، لم تترك أي أثر سلبي على مجريات المباحثات التاريخية، بل على العكس، جاءت كدليل إضافي على إصرار الإرادة السياسية على تجاوز عقبات الماضي وصناعة مستقبل جديد للعلاقات السورية الفرنسية.

   ففي أول زيارة لرئيس غربي إلى سوريا منذ تولي الرئيس الشرع رئاسة البلاد، جسّد ماكرون والشرع نموذجاً للعلاقات التي تصنعها القناعات السياسية، لا ضجيج الأصوات التي تريد عرقلة عودة سوريا إلى مكانتها الطبيعية في المجتمع الدولي.

   لقد حملت زيارة الرئيس الفرنسي،(يومي 6 و 7 يوليو 2026) التي كانت باريس فاتحة زيارات الرئيس الشرع إلى أوروبا، أبعاداً سياسية واقتصادية بالغة الأهمية. فالزيارة التي وُصفت بأنها “تاريخية” و”محطة مفصلية”، لم تأتِ من فراغ، بل تتويجاً لمسار بدأ قبل أكثر من عام، حين كان الرئيس الفرنسي أول زعيم غربي يستقبل الرئيس الشرع في الإليزيه، في رهان سياسي واضح على مستقبل سوريا الجديدة.

   لكن هذا الرهان، الذي تعزز بزيارة الشرع لواشنطن ورفع العقوبات لاحقاً، يجد اليوم ترجمته الملموسة على أرض الواقع في مشاريع تعاون اقتصادي ضخمة. فإعلان توقيع إعلان نوايا لاسترداد الأصول السورية في فرنسا، والحديث عن شراكة فرنسية في مجالات الطاقة والمصارف وإعادة الإعمار، يحملان رسالة واضحة ، سوريا عادت لتكون “عقدة ربط” في الممرات الاقتصادية العالمية.

   وإذا كان توقيت التفجيرين البدائيين، قرب فندق إقامة ماكرون، قد حاول النيل من هذا الزخم، فإن ردود الفعل الرسمية كانت الحسم الأكبر. فتصريح الرئيس الفرنسي بأنه لم يسمع صوت الانفجارات، ومضي الرئيسين في مباحثاتهما وعقدهما مؤتمراً صحفياً، لم يكن مجرد تجاهل للحادث، بل كان رسالة قوية مفادها أن هذه الأصوات اليائسة لن تعيق مسيرة التعاون التي انطلقت بين دمشق وباريس.

   سوريا التي قررت النهوض، وفرنسا التي أبدت استعدادها للمشاركة في هذا النهوض، خطتا معا اليوم فصلاً جديداً من العلاقات الثنائية، فصلاً عنوانه الشراكة المتكافئة والمصالح المشتركة، والذي يؤكد مجددا أن الجغرافيا والتاريخ، لا الأصوات النشاز، هي من ترسم مستقبل الدول.
                                                                ************

   *كاتب صحفي سوري.  

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version