أكادير(هرماس بريس):
بقلم: د.عبد الرحيم بوزياني*
يعد التقييم الجامعي أحد المرتكزات الأساسية التي تقوم عليها منظومة التعليم العالي، باعتباره الآلية التي تسمح بقياس مدى اكتساب الطلبة للمعارف والكفايات والمهارات المنتظرة من التكوين الجامعي. وإذا كانت الجامعة تضطلع بأدوار متعددة تتعلق بالتكوين والبحث العلمي وخدمة المجتمع، فإنها تضطلع أيضا بمهمة لا تقل أهمية تتمثل في تكريس قيم العدالة والإنصاف والاستحقاق، وهي قيم تشكل جوهر ما يعرف اليوم بالعدالة الأكاديمية.
ولعل أهمية نظام التقييم لا تكمن فقط في تحديد نجاح الطالب (الطالبة) أو رسوبه (رسوبها)، بل أصبح عنصرا مؤثرا في بناء مساره (مسارها) العلمي والمهني. فالمعدلات الجامعية أصبحت معطى أساسيا في الولوج إلى أسلاك الماستر والدكتوراه، والاستفادة من المنح وبرامج التميز، كما أصبحت حاضرة بدرجات متفاوتة في عدد من مباريات التوظيف والانتقاء المهني. ومن ثم، فإن أي نقاش حول التنقيط الجامعي لا يتعلق بالأرقام في حد ذاتها، وإنما يتعلق بمدى قدرة منظومة التقييم على تحقيق الإنصاف وتكافؤ الفرص بين الطلبة.
وفي هذا السياق، يبرز سؤال مشروع يرتبط بمدى تأثير اختلاف فلسفات التقييم بين المؤسسات الجامعية والتخصصات والأساتذة على فرص الطلبة في المنافسة الأكاديمية والمهنية، خاصة في ظل تزايد الاعتماد على المعدلات كمعيار للانتقاء والترتيب.
***أولا: التنقيط الجامعي بين الوظيفة البيداغوجية والرهانات المستقبلية***
من الناحية البيداغوجية، يفترض أن تكون العلامة الجامعية ترجمة موضوعية لمستوى الأداء الذي حققه الطالب أو حققته الطالبة مقارنة بالمعايير المحددة سلفا. فالأستاذ الجامعي لا يقيم الأشخاص، وإنما يقيم الإنتاج العلمي والمعرفي الذي يقدمه الطالب أو الطالبة، سواء تعلق الأمر بامتحان كتابي أو عرض شفوي أو بحث أكاديمي أو مشروع علمي.
غير أن النقطة الجامعية لم تعد تؤدي وظيفة بيداغوجية داخلية فقط، بل أصبحت تحمل آثارا تتجاوز أسوار الجامعة. فطالب اليوم يدرك (طالبة اليوم تدرك) أن كل نقطة قد يكون لها تأثير على ترتيبه (ترتيبها) ضمن المترشحين لولوج سلك الماستر أو الدكتوراه أو للحصول على فرصة مهنية معينة. ولذلك أصبحت مسألة التنقيط جزءا من النقاش العام حول العدالة الأكاديمية وتكافؤ الفرص.
ولا يخفى أن الجامعات، سواء داخل المغرب أو خارجه، تعرف تنوعا في ثقافات التقييم ومقارباته، وهو أمر طبيعي تفرضه خصوصية التخصصات وتنوع المدارس العلمية والبيداغوجية. غير أن هذا التنوع يطرح أحيانا تساؤلات حول كيفية ضمان حد أدنى من الانسجام الذي يسمح بمقارنة المسارات الأكاديمية للطلبة في ظروف تتسم بالإنصاف والموضوعية.
***ثانيا: العدالة الأكاديمية وتكافؤ الفرص بين الطلبة***
يقوم مبدأ تكافؤ الفرص على تمكين جميع الطلبة من التنافس في ظل شروط عادلة ومنصفة، بعيدا عن أي عوامل قد تؤثر بصورة غير مباشرة على فرصهم في الاستفادة من الإمكانات المتاحة.
وفي المجال الجامعي، لا يرتبط تكافؤ الفرص فقط بإمكانية الولوج إلى التكوين، بل يمتد أيضا إلى كيفية تقييم الأداء العلمي وتقدير مجهودات الطلبة. فكلما كانت معايير التقييم واضحة وشفافة ومعلنة، كلما تعززت ثقة الطلبة في المؤسسة الجامعية وفي النتائج التي تفرزها.
كما أن العدالة الأكاديمية لا تعني توحيد النتائج أو منح النقاط نفسها للجميع، وإنما تعني أن يحصل كل طالب أو طالبة على التقدير الذي يعكس مستوى أدائه (أدائها) الفعلي وفق معايير علمية موضوعية. فالتفاوت بين الطلبة أمر طبيعي ومطلوب لأنه يعكس تفاوت الجهد والكفاءة والتحصيل، لكن المهم أن يكون هذا التفاوت ناتجا عن الأداء العلمي لا عن عوامل أخرى مرتبطة باختلاف الممارسات التقييمية.
***ثالثا: التفوق الأكاديمي بين الاستحقاق العلمي وتنوع ثقافات التقييم***
من القضايا التي يثيرها بعض الطلبة والمهتمين بالشأن الجامعي مسألة النقاط المرتفعة في التعليم العالي، وخاصة في التخصصات القانونية والإنسانية والاجتماعية. ومن المهم التأكيد بداية أن الأمر لا يتعلق بانتقاد أي مقاربة بيداغوجية أو التشكيك في السلطة العلمية للأساتذة الجامعيين، فلكل أستاذ رؤيته (أستاذة رؤيتها) الأكاديمية وخبرته (خبرتها) في تقييم أعمال الطلبة، كما أن طبيعة هذه التخصصات تقتضي قدرا كبيرا من التحليل والاجتهاد وتعدد وجهات النظر.
غير أن النقاش يظل مشروعا حول مدى إمكانية حصول الطالب المتميز (الطالبة المتميزة) على نقاط مرتفعة متى تم استيفاء معايير الجودة العلمية المطلوبة. فإذا كان سلم التنقيط المعتمد يمتد من صفر إلى عشرين، فإن الفلسفة العامة للتقييم تفترض من حيث المبدأ أن مختلف مستويات التنقيط تظل متاحة متى توفرت شروطها العلمية وبالتالي فما المانع على سبيل المثال لا الحصر، من حصول طالب أو طالبة العلوم القانونية أو العلوم الإنسانية أو العلوم الاجتماعية على نقطة تفوق 15 من 20، متى كان العمل المقدم يستوفي المعايير الأكاديمية ويستحق ذلك وفقا لمقتضيات التقييم الموضوعي؟.
إن الأستاذ مطالب (الأستاذة مطالبة) بتقييم العمل المعروض عليه كما هو، لا كما يتصور (تتصور) أنه يجب أن يكون. والفرق كبير بين أن يقتنع الأستاذ أو الأستاذة بأن العمل لا يستحق أكثر من عتبة معينة (مثلا 15 أو 16)، وبين أن يقتنع مسبقا بأن أي عمل لا يمكن أن يستحق أكثر من تلك العتبة مهما بلغت جودته. في الحالة الأولى نكون أمام ممارسة مشروعة للسلطة التقديرية. أما في الحالة الثانية فنكون أمام تقييد مسبق لنتائج التقييم، وهو ما قد يمس بمبدأ الموضوعية ويؤثر على مصداقية العملية التقييمية برمتها.
ولا يعني ذلك أن منح نقطة عالية ينبغي أن يصبح أمرا اعتياديا أو واسع الانتشار، لأن القيمة الحقيقية لهذه النقاط تكمن في ارتباطها بالتميز والاستحقاق. غير أن وجود أعمال أكاديمية استثنائية أو مستويات أداء عالية يبرر، من الناحية النظرية والبيداغوجية، إمكانية حصول أصحابها على تقديرات مرتفعة تعكس مستوى الجهد والكفاءة المبذولين. وفي المقابل، فإن الاعتراف بإمكانية وجود تميز أكاديمي لا ينتقص إطلاقا من قيمة الصرامة العلمية، بل قد يشكل أحد تجلياتها، لأن الصرامة الحقيقية لا تتمثل في رفع أو خفض النقاط بشكل مسبق، وإنما في الحرص على أن تكون العلامة معبرة بدقة عن مستوى العمل المنجز. ومن هذا المنطلق، قد يكون من المفيد مواصلة النقاش الأكاديمي حول سبل تعزيز الانسجام بين مختلف فلسفات التقييم، بما يضمن الحفاظ على استقلالية الأستاذ الجامعي من جهة، وتعزيز فرص المقارنة العادلة بين المسارات الأكاديمية للطلبة من جهة أخرى.
***رابعا: نحو تعزيز الثقة في منظومة التقييم الجامعي***
إن الرهان الأساسي اليوم لا يتمثل في رفع المعدلات أو خفضها، وإنما في تعزيز الثقة في منظومة التقييم باعتبارها آلية لضمان الاستحقاق والإنصاف. ولتحقيق ذلك، تبدو الحاجة قائمة إلى تطوير عدد من الممارسات البيداغوجية، من قبيل تعميم شبكات التقييم المفصلة، وتعزيز الشفافية في معايير التصحيح، وتشجيع تبادل التجارب بين المؤسسات الجامعية، وتطوير النقاش العلمي حول أفضل الممارسات المعتمدة في مجال التقويم. كما أن تعزيز ثقافة الجودة في التعليم العالي يقتضي أن ينظر إلى التقييم باعتباره وسيلة لمواكبة تعلم الطالب وتحفيزه (الطالبة وتحفيزها) على تطوير قدراته، وليس مجرد آلية لإصدار الأحكام أو ترتيب النتائج.
على سبيل الختم، يمكن القول إن الحديث عن التنقيط الجامعي هو في جوهره حديث عن الثقة في الجامعة وعن قدرة مؤسسات التعليم العالي على تحقيق التوازن بين الجودة الأكاديمية والإنصاف. فتكافؤ الفرص لا يبدأ عند الإعلان عن نتائج مباريات الماستر أو الدكتوراه أو التوظيف، وإنما يبدأ منذ لحظة تقييم أداء الطالب أو الطالبة وفق معايير موضوعية وواضحة تعكس حقيقة ما أنجزه من عمل وجهد. وإذا كانت الجامعات تسعى اليوم إلى تكوين كفاءات قادرة على المنافسة والإبداع، فإن تعزيز العدالة الأكاديمية يظل أحد الشروط الأساسية لتحقيق هذا الهدف. ومن ثم، فإن مواصلة النقاش الهادئ والمسؤول حول فلسفة التقييم وآليات التنقيط لا ينبغي أن ينظر إليها باعتبارها انتقادا للأشخاص أو للمؤسسات، بل باعتبارها مساهمة في تطوير منظومة التعليم العالي وترسيخ قيم الاستحقاق والإنصاف وتكافؤ الفرص التي تشكل أساس الجامعة الحديثة.
**************
* أستاذ باحث في القانون الدستوري وعلم السياسة، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية أكادير – جامعة ابن زهر.

