الرباط(هرماس بريس):
بقلم: علي أنوزلا*
في خضم الحروب المتعدّدة المشتعلة في المنطقة، ثمة حرب أخطر، لكنها تكاد تكون منسية. إنها التي تُخاض في الضفة الغربية المحتلة؛ حرب كاملة الأركان تدور في صمت، بعيداً عن شاشات التلفزة والعناوين الكبرى، كأن ضحاياها لا يستحقون حتى أن يكونوا أرقاماً في نشرات الأخبار اليومية. حرب لا تُعلن عبر بيانات عسكرية، ولا تُقاس فقط بعدد الضحايا، بل أيضاً بعدد المنازل التي تُهدم، والأراضي التي تُصادر، وأشجار الزيتون التي تُقتلع، والقرى التي تُحاصر وتُعزل، والأفق السياسي الذي يُغلق تدريجياً أمام شعب بأكمله.
منذ اندلاع حرب الإبادة في غزة، تحولت الضفة الغربية إلى ساحة مواجهة مفتوحة، لكن العالم اختار أن ينظر في اتجاه آخر. كانت الكاميرات مركزة على الدمار الهائل في القطاع، ثم شُغلت بالصراعات الإقليمية الأخرى، فيما استغل النظام العنصري في فلسطين المحتلة هذه الفوضى الدولية لتسريع مشروع قديم لم يعد أصحابه يخفون أهدافه: القضاء على أي إمكانية لقيام دولة فلسطينية، ليس فقط عبر السيطرة العسكرية، وإنما أيضاً عبر تفكيك شروط وجودها السياسية والاقتصادية والجغرافية.
لا يمكن اختزال ما يحدث في الضفة الغربية في موجة جديدة من أعمال العنف أو في تصاعد اعتداءات المستوطنين، بل ينبغي فهمه ضمن سياق أوسع يتعلق بإعادة تشكيل الواقع السياسي والجغرافي للمنطقة. فخلال السنوات الأخيرة، انتقلت سياسات الاستيطان والضم التدريجي من كونها ممارسات مرتبطة بتيارات أيديولوجية متطرّفة إلى مشروع منظم تنفذه سياسات حكومة الاحتلال المعلنة، تهدف إلى تكريس السيطرة الصهيونية على أجزاء واسعة من الضفة الغربية، وإعادة رسم الواقع السياسي والجغرافي، بحيث يصبح قيام دولة فلسطينية قابلة للحياة أمراً مستحيلاً.
ليس الخطر الحقيقي في الضفة الغربية فقط في عدد الفلسطينيين الذين يُقتلون يوميا، أو في الاعتداءات المتكرّرة التي يرتكبها المستوطنون، وإنما في طبيعة المشروع الذي يجري تنفيذه. فالأمر لا يتعلق بانفلات أمني أو بتجاوزات فردية، كما تحاول بعض وسائل الإعلام الغربية والعربية تقديمه، بل بسياسة ممنهجة تستهدف الأرض والإنسان معاً، وتسعى إلى تحويل الاحتلال من واقع مؤقت إلى نظام دائم لا رجعة عنه.
كان عنف المستوطنين يُقدَّم طويلاً باعتباره أعمالاً فردية يرتكبها متطرفون خارج القانون. لكن ما يحدث اليوم يكشف صورة مختلفة تماماً. فانتشار البؤر الاستيطانية الزراعية، وتوسعها السريع، والقدرة على السيطرة على مساحات واسعة من الأراضي، كلها مؤشّرات على تحوّل الاستيطان من ظاهرة هامشية إلى أداة مركزية في مشروع سياسي، فالمستوطن الذي يقتلع أشجار الزيتون، أو يهاجم مزارعاً فلسطينياً، ويحرق بيته، ويسرق ماشيته، لا يعمل فقط بدافع أيديولوجي فردي، بل يتحرك داخل بيئة سياسية تمنحه الحماية والتشجيع، وفي ظل حكومة يمينية متطرفة تضم شخصيات أعلنت صراحة أن هدفها هو منع قيام دولة فلسطينية. نحن أمام عملية ممنهجة لتدمير علاقة الفلسطيني بأرضه ودفعه إلى الرحيل.
يبدو أن العالم مستعد لترك أهل الضفة الغربية يواجهون حرباً أخرى، أقل ضجيجاً، لكنها أكثر خطورة على المدى البعيد.
إلى جانب البعد الجغرافي والسياسي لهذه الحرب، هناك بعد اقتصادي لا يقل أهمية. فالاقتصاد الفلسطيني في الضفة الغربية يواجه ضغوطاً متزايدة نتيجة القيود المفروضة على الحركة والتجارة والعمل، إضافة إلى الأزمات المالية التي تعاني منها السلطة الفلسطينية بسبب التحكّم الإسرائيلي في الموارد والعائدات. ولا يقتصر أثر هذه السياسات على الجانبين، الاجتماعي والمعيشي، بل يمتد إلى مستقبل المشروع السياسي الفلسطيني نفسه، لأن قيام أي كيان سياسي مستقل يحتاج إلى قاعدة اقتصادية ومؤسسات قادرة على الاستمرار. وهذا هو جوهر المشروع الصهيوني؛ ليس فقط السيطرة على الأرض، بل جعل الحياة عليها غير ممكنة، وقتل مشروع الدولة الفلسطينية. فالدولة لا تقوم فقط بالاعترافات الدبلوماسية والقرارات الدولية، بل تحتاج إلى اقتصاد قادر على الحياة، وإلى مجتمع يستطيع إنتاج شروط بقائه. وعندما يتم تفكيك هذا الاقتصاد عمداً، فإن ما يجري محاولة لإلغاء فكرة الدولة الفلسطينية من جذورها، وليس فقط منع قيامها في اللحظة الراهنة.
ورغم خطورة هذه التحولات، ظلّ الاهتمام الدولي بها محدوداً مقارنة بحجم تأثيرها، فدولٌ كثيرة تواصل التأكيد على التزامها بحل الدولتين، لكنها، في الوقت نفسه، لا تعمل أي شيء ملموس من أجل وقف السياسات التي تجعل هذا الحل أكثر صعوبة على أرض الواقع. والإجراءات التي اتخذتها بعض حكومات غربية ضد أفراد أو جهات مرتبطة بعنف المستوطنين، على أهميتها الرمزية، لم تصل إلى مستوى التأثير في البنية التي تسمح باستمرار هذه السياسات، كما أن استمرار تطبيع بعض الأنظمة الغربية مع الكيان الصهيوني يعطي المشروعية لكل أفعاله الإجرامية على أرض فلسطين المحتلة.
أحد أوجه المفارقة في الوضع الحالي أن مستقبل القضية الفلسطينية قد لا يتحدّد فقط في ساحات المواجهة العسكرية، بل أيضاً في التفاصيل اليومية التي تعيد تشكيل الواقع ببطء؛ حدود المستوطنات، ووضع الأراضي الزراعية، وحركة السكان، وقدرة الاقتصاد على الصمود، ومستوى الحماية القانونية المتاحة للفلسطينيين. لهذا، تمثّل الضفة الغربية اليوم اختباراً حقيقياً لمصداقية النظام الدولي ولقدرته على تحويل المبادئ المعلنة حول القانون الدولي وحقوق الشعوب إلى سياسات عملية. فالمشكلة لا تكمن فقط في استمرار الاحتلال، بل في تحوّله إلى واقع يعمل على إعادة إنتاج نفسه وإلغاء إمكانية تغييره.
حماية الفلسطينيين في الضفة الغربية لا تعني فقط منع سقوط مزيد من الضحايا، بل أيضاً حماية الشروط التي تسمح لهم بالحفاظ على وجود سياسي واقتصادي واجتماعي قابل للحياة.
لقد أظهرت حرب الإبادة في غزّة حجم الكلفة الإنسانية والسياسية التي يمكن أن تنتج من تجاهل جذور الصراع. أما الضفة الغربية فتقدم نموذجاً مختلفاً؛ تغيير تدريجي وبطيء للواقع، قد تكون نتائجه بعيدة المدى. ولذلك فإن السؤال الأساسي لا يتعلق فقط بكيفية مواجهة هذه الحرب شبه المنسية، بل بكيفية منع تحولها إلى واقع دائم يجعل أي حل سياسي مستقبلي أكثر صعوبة، وربما غير قابل للتحقق.
حماية الفلسطينيين في الضفة الغربية لا تعني فقط منع سقوط مزيد من الضحايا، بل أيضاً حماية الشروط التي تسمح لهم بالحفاظ على وجود سياسي واقتصادي واجتماعي قابل للحياة، فالمعركة هناك ليست فقط حول حياة الناس وأمنهم، وإنما حول الأرض، وحول الوجود الفلسطيني، وحول جوهر القضية الفلسطينية التي يتم القضاء عليها في صمت، وسط تواطؤ الجميع. فحين يصبح الصمت أكثر حضوراً من القانون، لن يكون الخاسر شعب فلسطين وحده، بل فكرة العدالة الدولية نفسها.
لقد ترك العالم أهل غزّة يواجهون إبادة ما زالت مستمرّة وسط عجز دولي مخجل. واليوم يبدو أنه مستعد لترك أهل الضفة الغربية يواجهون حرباً أخرى، أقل ضجيجاً، لكنها أكثر خطورة على المدى البعيد. فهل سننتظر حتى تختفي الضفة الغربية من الخريطة السياسية، كما كاد أن يختفي القطاع تحت الركام، ثم نكتشف أننا كنا شهوداً على جريمة كبرى ارتُكبت أمام أعيننا؟
***********
*عن الموقع الإخباري الإلكتروني: www.alaraby.co.uk

