الدار البيضاء(هرماس بريس):
بقلم: عبد الرحيم أريري*
في أكثر من مناسبة كنت دائما أقول أن المشرع المغربي أخطأ في التقطيع الجهوي للمملكة سواء في النسخة السابقة لما كان المغرب مقسما إلى 16 جهة، أو في النسخة الحالية التي تضم 12 جهة. وأقصد بذلك الإقصاء المتعمد لحوالي سدس المغاربة الموجودين بالمهجر، من أجندة السياسة العمومية ومن أجندة الأحزاب. علما أن أحد المرتكزات الأساسية لضخ العملة الصعبة ببلادنا هي التحويلات التي يقوم بها مغاربة العالم والتي تمثل تلث عائدات المغرب من حجم العملة الصعبة. إذ كنت دائما أعتبر مغاربة العالم مجازا بمثابة “الجهة رقم 17” في التقطيع القديم، و أعتبرهم مجازا “الجهة رقم13” في التقطيع الحالي.
ورغم هذه المعطيات البديهية فإن أزيد من 5 مليون مغربي مهاجر لا يحظى حتى بسطر في خطاب مسؤول حزبي أو بفقرة في برنامج اقتصادي أو سياسي لهذه العائلة السياسية أو تلك. والأفظع أن الحكومة والأحزاب عموما لا تتدخل حتى في القضايا التي لا تتطلب ميزانية أو برنامج عمل أو تحملات وجدولة للتنفيذ.
دليلي على ذلك ما تشهده أوربا اليوم، وهي الحاضن الأكبر للمغاربة المهاجرين، من تنامي الاعتداءات والتحرشات العنصرية، إما بسبب تنامي حالات الاعتداء والمس بحياة مغاربة العالم أو بسلامتهم الجسدية، أو استهداف مساجدهم ومراكزهم التربوية أو بسبب عدم تكافؤ الفرص في العمل أو الحق في ارتداء اللباس الذي يناسب موروث المجتمعات، أو الحق في الترقي الاجتماعي داخل دول الاستقبال. وتنهض حالة مقتل عبد الرحيم فقير بمدينة بولونيا على يد الشرطة الإيطالية مؤخرا، كمثال حي لتغييب معاناة مغاربة العالم من رادار أحزابنا ومن رادار أذرعها البرلمانية والجمعوية والنقابية.
فكل الأحزاب المغربية تقريبا، منخرطة في شبكة أمميات أو تجمعات للأحزاب اليمينية والاشتراكية والليبرالية.
وكل أحزابنا تتوصل بمنحة من الخزينة العامة للدولة المغربية للقيام بواجباتها في التأطير والدفاع عن مصالح المغاربة.
وكل أحزابنا تتوفر على برلمانيين مندمجين بدورهم في شبكات برلمانية مع جمعيات مماثلة ببرلمانات الدول الأوربية على حدة من جهة، ومع برلمان الاتحاد الأوربي من جهة ثانية.
ومع ذلك لم نسمع أن وزيرا مغربيا أو قائدا حزبيا مغربيا أو رئيس فريق برلماني مغربي، احتج أو استنكر أو قام بتعبئة المواطنين في الأحياء والجامعات والجمعيات والمعامل ودور الشباب والضيعات الفلاحية، للتحسيس بمعاناة وعذابات المغاربة بالمهجر على يد العنصريين والنازيين والفاشيين والحاقدين على العرب والمسلمين.
طبعا، نحن لسنا أسياد العالم لنحدد الأولويات في الدول الاوربية، ولكن الاحتجاج المستمر والتعبئة الداخلية للمغاربة بالمغرب، ستمنح السند المادي والمعنوي لسدس المغاربة الذين يعيشون بالمهجر من جهة، وستجعل الحكومات والبلديات الأوربية تستحضر أن المغاربة المهاجرين ليسوا منبوذي وطنهم أو تم التخلي عنهم من جهة ثانية. كما أن التعبئة الداخلية قد تعد رسالة من المغرب بأنه مستعد أن يتعامل بالمثل مع الأوربيين المقيمين به كذلك من جهة ثالثة.
لا ينبغي أن يفهم من موقفي هذا الدعوة إلى الحقد والعنصرية ضد الأوربيين المقيمين بالمغرب، حاشا لله. ولكن الصبر له حدود، والإهانات التي يتجرع مرارتها المغاربة بدول المهجر( خاصة بأوربا الغربية)، بلغت مستوى لا يطاق. وأضعف الإيمان أن يعي قادة أحزابنا أن من مسؤوليتهم أيضا تبني محنة أزيد من 5 ملايين مغربي بالمهجر.
فمن العار أن تتعامل النخبة السياسية المغربية مع المهاجرين كمضخة للعملة الصعبة أو “بزطام كبير”، فقط، وليس كمغاربة من واجب الأحزاب احتضان قضاياهم والدفاع عنها.
فاللهم الطف بإخواننا المغاربة المغتربين بأوربا، وكن سندا لهم في محنتهم مع العنصريين والنازيين والفاشيين هناك، ومع لامبالاة أحزاب المغرب وحكومته وبرلمانه هنا.
****************
*مدير نشر أسبوعية “الوطن الآن”، والموقع الإخباري الإلكتروني “أنفاس بريس”.

