الرباط(هرماس بريس):

                       بقلم: محمد البارودي

   حين يصبح الجدار الفاصل بين مقرّين حزبيين في حي أكدال مجرد ستار مسرحي يخفي كواليس الكوميديا السياسية، نكتشف أن الجوار الجغرافي لم يكن سوى توطئة لعناق إيديولوجي من نوع خاص…

   المشهد من حي أكدال لا يحتاج الكثير من التفكيك، فالرصيف واحد، والسيارات تركن جنبا إلى جنب، والتكتيكات السياسية تطهى في نفس الطنجرة، رغم اختلاف الشعارات بين الوردة الذابلة والجرار الذي يجرف في طريقه كل التمايزات التاريخية.

   بدأت الحكاية بشتيمة صحفية أطلقها إدريس لشكر متهما الحزب الجديد بأنه “وافد جديد” بمعنى دخيل، قبل أن تتحول بقدرة قادر إلى شفاعة سحرية فتحت له أبواب الوزارة المكلفة بالعلاقات مع البرلمان. ولأن المفاجآت هي الملح الدائم للسياسة الوطنية، فقد علم قياديو الحزب بالخبر كبقية المواطنين وهم يتابعون النشرة الثامنة على القناة الأولى… كما سمعتها مرة على لسان الدكتور فتح الله ولعلو في لقاء خاص.

   لم تكن الوزارة سوى المقبّلات، إذ سرعان ما تكشفت بصمات مهندس الخفاء إلياس العماري في صعود لشكر إلى سدة الكتابة الأولى، ليصبح “الوافد” هو الصانع الحقيقي لولادة القيادات داخل الحزب العتيد.

   في 2016 ستذوب الفوارق الإيديولوجية، وأصبح الحزبان تؤامين روحانيين في المعارضة.. خرجات مشتركة، وانتقادات متناغمة للحكومة، ووفود خارجية تمثل البلاد بانسجام تام يجعلك تتساءل: من يمثل من؟

   لم يعد الأمر مجرد تقارب سياسي، بل تحوّل إلى توزيعٍ مكشوف للأدوار، قيادات اتحادية باتت تتنفس برئة “البام”، ممتدة من إدارة الإعلام الإلكتروني للحزب مع بديعة القدافي، وصولا إلى الدعم الصريح لمرشحي التراكتور في بعض الدوائر الانتخابية (كما اتضح مؤخرا في مساندة حنان رحاب لمرشحة التراكتور نجوى كوكوس بدائرة أنفا). وستبدي لك الأيام ما كان خافيا…

   التحاقات كانت وشيكة وتبادل بين الطرفين، ومشاريع ولدت وفي فمها ملعقة من ماء، ثم تبخرت سريعا كشبح “ثعلب” محمد زفزاف، لتؤكد أن الغابة السياسية أضحت تعج بالثعالب التي تتشابه روائحها وألوانها…

   إذا كانت “الأبقار قد تشابهت علينا” في الممارسة الحزبية، فالواقع أن القواعد والجماهير هي من يراد لها أن تلعب دور البقرة المذبوحة في المقولة الشعبية، حيث لا ينتظر من السقوط سوى تزاحم السكاكين وشفرات الحلاقة لاقتسام الغنيمة.

   ماذا لو قُدّر للشهداء أن يستفيقوا لحظةً ليُعاينوا هذا المشهد؟ كيف سيكون حال المهدي بنبركة وعمر بنجلون وعمر دهكون ومحمد كرينة، وباقي مواكب الشهداء الذين سكبوا دماءهم لبناء وطن الكرامة، وهم يرون وجوها تستعير اسم الاتحاد جثةً بلا روح، وتتاجر برصيدهم التاريخي في سوق المزاد الانتخابي والانتهازية المقيتة؟

   أغلب الظن أنهم كانوا سيعودون إلى طيات الثرى طواعيةً، حياء من هول المهزلة، وفرارا من زمن أضحت فيه الوردة مجرد زينة تعلّق على ظهر  التراكتور…

   فليغفر لنا الشهداء… فقد تركنا أمانتهم في أيدي أصحاب الشكارة.. وأصحاب الحال.. ومنعشي مقاولات السياسة ودكاكينها الكاسدة.

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version