الرباط(هرماس بريس):

                   بقلم: مريم مكرم*

   لم يعد الخطاب الانتخابي يتحدث عن الوعد بالطريقة نفسها التي كان يتحدث بها من قبل. ففي السابق، كان المتلقي هو الذي يوجه أسئلته إلى السياسي، فيسأل عما تحقق من الوعود، وما بقي منها، وما الذي يفصل القول عن الفعل. أما اليوم، فقد بدأت الأحزاب تستبق هذه الأسئلة وتوظفها في خطابها، فتتحدث عن الثقة والمصداقية والوفاء بالتعهدات والتنفيذ والتقييم والمحاسبة، وكأنها تدرك أن الناخب لم يعد يكتفي بسماع الوعد، بل ينظر منذ لحظة إطلاقه إلى ما يمكن أن يسنده ويبرر الثقة به.

   في هذا السياق يكتسب خطاب حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية دلالة خاصة، ولا سيما في كلمة إدريس لشكر بمناسبة تقديم البرنامج الانتخابي، حين يقول: «ولن أبدأ بعرض الوعود، لأن الوعود يقدّمها الجميع، وقلّما تُصان. سأبدأ بمن نحن، لأن البرنامج لا يُفهم إلا بمرجعية من كتبه.»

   تبدأ العبارة من ملاحظة تبدو بسيطة في ظاهرها، لكنها حاسمة في بناء الخطاب، وهي أن «الوعود يقدّمها الجميع»، ولذلك لم تعد كثرتها كافية لصناعة التمايز. أما قوله «وقلّما تُصان» فينقل المعنى إلى مستوى آخر، إذ يجعل قيمة القول مرتبطة بما يبقى منه بعد انقضاء لحظة إطلاقه. فالمعيار لا يعود في جاذبية ما يُقال، وإنما في قدرته على الصمود أمام الزمن واستحقاق الوفاء. ومن هنا يستحضر الخطاب ذاكرة الناخب، الذي لا يتلقى الكلمة الجديدة بمعزل عن وعود سابقة ما تزال حاضرة في ذاكرته السياسية.

   ويأتي الانتقال إلى «من نحن» امتدادًا لهذا المنطق، لأن السؤال عن الوعد يقود بالضرورة إلى السؤال عن صاحبه. وحين تصبح هوية المتكلم ومرجعيته جزءًا من بناء المصداقية، يغدو البرنامج تعبيرًا عن مسار سياسي لا مجرد قائمة من المقترحات التي تُستحضر في موسم انتخابي. بذلك تتصل قيمة القول باتساقه مع المرجعية التي يصدر عنها، وبقدرته على الاحتفاظ بمعناه حين تتغير الظروف والمواقع.

   ويكتسب هذا البناء بعده البلاغي الأوضح في عبارة «لا نطلب ثقة المغاربة على بياض»، التي تقوم على استعارةٍ تنقل صورة الشيك على بياض من المجال المالي إلى المجال السياسي. فكما يُسلَّم الشيك من دون تحديد مسبق لقيمته، تُمنح الثقة على بياض حين تُسلَّم من غير شروط تضبط ما يترتب عليها. وباستدعاء هذه الصورة، يحوّل الخطاب معنى مجردًا كالـثقة إلى مشهد محسوس، ويجعلها مرتبطة بما يبررها من التزامات قابلة للتنفيذ والقياس والمحاسبة. وهكذا لا تُقدَّم الثقة باعتبارها تفويضًا سابقًا على الاختبار، وإنما باعتبارها ثمرةً لما يثبت جدارة القول بها.

   ويأخذ هذا التحول مداه حين ينتقل الخطاب من «بلاغة النوايا» إلى «تعاقد النتائج»، فتغدو قيمة البرنامج مرتبطة بما يترتب عن التزاماته في الواقع، وبما يتيحه من إمكان للتتبع والتقييم. وبهذا تكتسب الكلمة الانتخابية امتدادًا يتجاوز لحظة إعلانها، إذ يصبح تحققها جزءًا من معناها، وتغدو النتائج التي تفرزها معيارًا لقياس صدقيتها.

   وتتقاطع هذه الرؤية مع خطابات حزبية أخرى، وإن اختلفت الصياغات. ففي خطاب حزب الاستقلال تحضر استعادة الثقة في صلة بالتعاقد والالتزامات القابلة للتنفيذ والتقييم، بينما يقدم حزب التجمع الوطني للأحرار برنامجه باعتباره «تعاقدًا جديدًا مع المغاربة»، رابطًا المصداقية بالقدرة على التنفيذ والوفاء بالالتزامات. وفي الحالتين يتراجع الوعد بوصفه غاية في ذاته، ليفسح المجال أمام خطاب يربط الكلمة بما سيترتب عليها.

   ويأخذ هذا المعنى في خطاب الأصالة والمعاصرة صيغة أكثر اختصارًا والتصاقًا باللغة المتداولة من خلال شعار «من أجل تغيير المسار. كْلْمَة وحدة!». فالكلمة في التداول المغربي تتجاوز معنى التلفظ إلى معنى الالتزام والثبات، كما في الدارجة المغربية «عطيتك الكلمة» و«الكلمة هي الكلمة»، ولذلك يكتسب الشعار جزءًا من قوته من هذا الرصيد الثقافي الذي يجعل الكلمة مرتبطة بالوفاء بها. وحين تقترن بـ «تغيير المسار»، فإنها لا تظل مجرد عبارة دعائية، بل تدخل في بناء صورة التزام يفترض أن يجد امتداده في البرنامج وما يتضمنه من مواثيق والتزامات.

   وعلى اختلاف هذه الخطابات، يبرز تحول مشترك في طريقة بناء الوعد الانتخابي. فالأحزاب لا تكتفي بعرض ما ستفعله، وإنما تستبق السؤال عن صدقية ما تعرضه، وتربط الوعد بالمرجعية، والثقة بالتعاقد، والكلمة بالالتزام، والالتزام بإمكان التنفيذ والمساءلة. وبذلك ينتقل الخطاب من محاولة إقناع الناخب بما سيأتي إلى تقديم ما يسمح له بالحكم على صدق ما يقال.

   هكذا يعيد الخطاب الانتخابي ترتيب العلاقة بين الكلمة والمتلقي. فالسؤال الذي كان يأتي بعد الوعد صار حاضرًا في صياغته، والثقة التي كانت تُطلب باتت تستند إلى ما يمنحها مشروعية الاستمرار. وبين صون الكلمة، ورفض الثقة «على بياض»، والانتقال إلى تعاقد النتائج، واستدعاء «كْلْمَة وحدة»، تتشكل صورة لوعد انتخابي يخرج من لحظة القول إلى أفق الالتزام.

   وفي هذا السياق، تتجلى بلاغة الوعد السياسي؛ حين تُقاس قيمة الكلمة بما تتركه وراءها من مسؤولية، وبقدرتها على أن تظل ذات معنى بعد لحظة القول. فالكلمة التي تستحق الثقة هي التي يظل معناها قائمًا حين تنتقل من الخطاب إلى الواقع.

                                   ****************

   *أستاذة باحثة في البلاغة وتحليل الخطاب والتواصل السياسي.

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version