الرباط(هرماس بريس):

                       بقلم: لطيفة باجو*

   هل نحن في زمن صارت فيه المعرفة امتيازا، بعدما كانت حقا للجميع؟ سؤال يتداوله الطلبة هذه الأيام مع بداية السنةالجامعية الجديدة، ويرددون مازحين بأن قاعدة “الحج لمن استطاع إليه سبيلا” قد أصبحت “التعليم والمعرفة لمن استطاع دفع ثمنهما”… ربما هي نكتة الشهر. الحديث هنا عن “التوقيت الميسر” الذي اعتمدته الجامعات المغربية، كان الكثيرون ينتظرون عدولها عن ذلك، لكن لا شيء من ذلك، للأسف.

   من اختاروا الاسم تفننوا في ذلك، فأسموه “التوقيت الميسر”، ما يوحي للقارئ بأن المؤسسة الجامعية ستفتح أبوابها أمام أي موظف وأجير ومتقاعد يرغب في استكمال دراسته… لتكون الصدمة قوية عندما يبلغ المعني بالأمر شباك التسجيل وليفهم الحقيقة المرة: ادفع أولا، ثم تعلم بعد ذلك! نعم بما أن الرسوم قد حددت في 5 آلاف درهم سنويا بالنسبة لسلك الإجازة، و15 ألف درهم لسلك الماستر، فيما ارتفعت في سلك الدكتوراه إلى 20 ألف درهم سنويا خلال السنوات الأربع الأولى. قد يرى واضعو هذا القرار الجديد هذه التكاليف مجرد أرقام، لكنها تمثل بالنسبة لموظف، لا يتعدى راتبه بضعة آلاف من الدراهم، زلزالا سيضرب ميزانية عائلته، ومعه يصبح الاختيار بين الطموح العلمي وتوفير مصاريف الأسرة هو الآخر امتحانا جديدا.

   والنتيجة، إحباط كبير ذلك الذي شعر به عدد كبير من الموظفين الراغبين في تطوير مهاراتهم الأكاديمية، ورفع كفاءاتهم. توقيت ميسر جاء كما تدل عليه التسمية، لتيسير الوضع بالنسبة لمن لا تسمح لهم ظروف وظيفتهم حضور الدروس والتعلم، لكنهم وجدوه عسيرا ومعسرا بسبب ثمنه. فعن أي تيسير يتحدث المسؤولون؟

   إن اختيار العودة إلى مقاعد الدراسة بالنسبة لمن تخطى مرحلة عمرية معينة هو في حد ذاته قرار يحتاج إلى إرادة وقوة نفسية كبيرة، وبغض النظر عن أن من هؤلاء الطلبة من يخطو الخطوة فقط رغبة في المستوى الاجتماعي الذي سيمنحه له لقب “مجاز” أو “دكتور” مثلا، فإن الغالبية يحلمون بتحسين كفاءاتهم المهنية بغرض الترقي في وظائفهم وتحسين وضعيتهم المادية، أو مسايرة سوق الشغل التي تتغير متطلباتها كل حين. لكن والحالة هاته، فلن يكون بمقدور فئات عريضة من المجتمع الالتحاق بالمؤسسات الجامعية، لا سيما منها ذوات الدخل المحدود، والنتيجة أن هذه العملية ستجعل لا محالة من التطوير الذي نتحدث عنه، امتيازا طبقيا مقنّعا، ما دام التعليم الجامعي سيصير حكرا على من يملك فائضا ماليا فقط، إلى جانب عزوف الراغبين عن التسجيل من أجل هذا التكوين المستمر.

   فأين هي المساواة أمام القانون والعدالة، إذا كانت نفس الجامعة توفر خدمات مجانية لفئة من المواطنين، في حين تطالب فئة أخرى بالدفع من أجلها؟ إضافة إلى أن الحديث يجري على إمكانية إعفاء موظفي قطاع التعليم العالي ومن يتقاضون الحد الأدنى من الأجور… وإن كان هناك اختلاف بخصوص هذه النقطة بين الجامعات نفسها.

   المفارقة الكبرى هي أن هذه الرسوم فرضتها الجامعات العمومية، وسيتأذى منها مواطنون ممن يدفعون الضرائب التي تمولها، ثم يطالَبون بدفع رسوم جديدة، في ازدواجية دفع لا يجدون لها أي مبرر. ذنبهم أنهم يوما ما انقطعوا عن الدراسة، لسبب أو لآخر، وعندما حلموا باستكمالها، لم يضعوا في حسبانهم أن ثمة قرارا سيحول دون ذلك.

   وما يزيد الطين بلة، أن هذا القرار جاء في وقت يحتل فيه المغرب مرتبة متأخرة جدا في مؤشر التعليم العالي والتكوين المهني (117 عالميا من أصل 195 دولة) حسب معطيات مؤشر المعرفة العالمي لعام 2025. أضف إلى ذلك ما كشف عنه مؤشر نزاهة البحث العلمي لنفس السنة، والذي فضح الجامعات المغربية، بعدما أدرج عشرة منها ضمن قائمة المؤسسات الأكثر عرضة لمخاطر الإخلال بالنزاهة العلمية. وهو ما يجعل أي عاقل يتساءل عن سبب عدم اشتغال السياسات العمومية من أجل تدارك هذا التأخر الكارثي من خلال تشجيع المواطن على استكمال تعليمه العالي، وبذل مجهود مضاعف لدعم التعليم وإعادة المصداقية العلمية للمؤسسات الجامعية المغربية. لكن بدلا من ذلك، نجدها ترهق كاهل المتعلم برسوم إضافية وبعراقيل جديدة تضع حدا لأحلام الكثيرين.

   ولا يتوقف الإشكال عند حدود السياسات العمومية والمؤشرات الدولية، فثمة طرف آخر في هذه المعادلة لا يقل تأثرا: سيدفع الموظف المسكين الرسوم من جيبه، لنجد أنفسنا أمام قضية جديدة، أبطالها هذه المرة الأساتذة الذين سيطرحون مستقبلا لا محالة سؤالا مشروعا: بما أن الجامعة لديها موارد مالية جديدة، ألا يستحق الجهد الإضافي الذي نقوم به، فوق الأعباء الأصلية، تعويضا مناسبا؟ لأن الإشراف على الأبحاث وتأطير الطلبة ومتابعتهم ليست محاضرات فقط، وإنما تتطلب تنقلات أحيانا كثيرة خارج الساعات الرسمية؛ وعلى غرار موظفي كل القطاعات الأخرى الذين يعوضون كلما تنقلوا خارج مدنهم، فيجب إذن دفع مصاريف تنقل وإشراف الأساتذة كذلك. ثم مفارقة أخرى؛ بما أن المؤسسات الجامعية ستتقاضى مالا من الطلبة الأجراء، من حقنا التساؤل عن مصير هذه الموارد؟

   لن تتوقف الأسئلة للأسف، لأن الواحد يجر الآخر: وإذا كان سؤال الأستاذ عن حقه في التعويض مشروعا كما رأينا، فهل من المعقول أيضا أن يتغيّب هذا الموظف عن إدارته التي تصرف له راتبه الشهري؟ عندما يدفع الطالب الموظف بالفعل، فهل سيعتبر الشهادة حقا مكتسبا لمجرد أنه أدى ثمنها؟ أسئلة جد متشابكة، ترتبط فيها حقوق الأستاذ بحقوق الموظف بمنطق المؤسسة الجامعية.

   لقد كان الحصول على العلم والمعرفة والشهادات في الماضي يحتاج منا الاجتهاد والصبر والمثابرة وسهر الليالي فقط، أما الآن، فيبدو أن التطور قد طال هذا الأمر كذلك، إذ صار يتطلب القدرة المالية أيضا. ومعها سنعاني من إشكالية جديدة، ألا وهي انعدام تكافؤ الفرص بين أفراد المجتمع.

   في المحصلة، إذا كان الحج يسقط عن المسلم بالعجز، فإن العلم صار يسقط عن المغربي بالفقر. وقد صدق من قال “من الهم ما يضحك، ومن الهم ما يبكي”.

                                                          **************

   *صحفية.

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version