تارودانت(هرماس بريس): عبد الجليل مسكين*

   السياسة لا تعرف الخصومات كما يعرفها عامة الناس وجمهورهم، فالخصومة عند الجمهور نار تورث الضغائن، وعند الساسة ورقة من أوراق التدبير تطوى إذا انقضى أوانها وتنشر إذا حضر زمانها.

   لقد رأيت أقواما ملؤوا الدنيا صخبا بذكر العداوات، ثم لم تكد تدور الأيام دورة حتى جلسوا إلى موائد من كانوا يرمونهم بالأمس بأقسى النعوت، لا لأن القلوب تصافت، ولا لأن الحقائق تبدلت، ولكن لأن السياسة بنت الموازين لا بنت الأهواء ، وربيبة المصالح لا ربيبة الانفعالات.

   لذلك فالعاقل الكيس الفطن لا يدهشه أن يتصافح المتخاصمون، ولا أن يفترق المتحالفون، لأن الناس في ميدان السياسة أسرى حسابات تتغير ، ومواقع تتبدل، وأقدار لا تثبت على حال.

ومن جعل السياسة ثأرا دائما ضاق أفقه وولج إلى النفق المظلم، ومن جعلها مبدأ بلا حكمة ومرونة كسرته الوقائع.

   لهذا كان أبصر الناس بالشأن العام من يفرق بين خصومة الفكرة وخصومة الشخص، وبين اختلاف الموقف وعداوة النفوس، فإن الأولى باب إصلاح ، والثانية باب هلاك.

                                    ***************************

*تدوينة في “فايس بوك” للنائب البرلماني السابق الدكتور عبد الجليل مسكين.

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version