الرباط: هرماس بريس
لأن علاقتهما الأخوية طالت، وانشغالاتهما المهنية تطابقت، وقناعاتهما الفكرية والثقافية تشابهت، وطيبوبتهما حاضرة على كل لسان وما تقادمت… لأجل ذلك استحق كل منهما أن ينعت الآخر ب”توأم الروح” .
هو الصديق الوديع الزميل الراحل رشيد جبوج، الذي انتقل مؤخرا إلى دار البقاء مخلفا ألما عميقا في نفوس جميع من اشتغلوا معه أو تعرفوا عليه… الآخر، هو الغالي أيضا، المتخلق بالفطرة كما يشهد بذلك جميع من خالطه، الصديق الصحافي المتمرس أحمد الطاهري.
من دون استئذان، لأنني أعلم بأن “إذنك معاك” كما يقول الاشقاء في أرض الكنانة، منحت لنفسي حق “قرصنة” تدوينة/ شهادة غاية في الصدق والوفاء، يحس القارئ بأنها بوح روحي استطاع أحمد الطاهري ـ كعادته ـ أن يطوع قلمه السيال ليتقاسم مع الآخرين ذلك الشعور الإنساني الصادق الذي خالجه وهو ينثر بعض الذكريات التي جمعته مع، الفقيد سي رشيد جبوج، رحمة الله عليه، ومنها تلك اللحظات الحميمية التي تقاسماها في “الدار التي هناك” .
وهذا نص تدوينة “الدار التي هناك” من توقيع سي أحمد الطاهري،المنشورة في صفحته على موقع “فايس بوك”، مع صادقة التحية لأرملة صديقنا الراحل، الزميلة بديعة الراضي.
إمضاء: حسن هرماس
*******************************************
(الدار التي هناك):
كانت صعبة الثلاثة أيام التي أمضيتها بجوار الدار التي هناك. تلك الدار العزيزة عليك، يا صاحبي.
لم أزر المكان بالمنصورية في ضواحي المحمدية، منذ وفاتك أواخر شهر مارس الفائت. كان الفضاء جد مناسب للاستجمام.. الجو صحو. البحر هادئ، والخضرة تبسط أساريرها بعذوبة.. لكن ثمة إحساس فظيع بكدر خانق شوش على الذهن.. جفاف الحلق. ضيق التنفس ووهن الجسد.. هو ثقل الغياب الفادح.. غيابك المبكر، يا صاحبي..
ستائر دارك التي هناك، وعلى غير عادتها، كانت مسدلة من الواجهتين.. الواجهة المطلة على البحر والأخرى داخل الإقامة التي فقدت بريقها بعد رحيلك الفاجع.
هناك بشرفة الدار رمقت طاولتك الأثيرة.. مقعدك الخشبي في الزاوية والمطل على المسبح أصبح يتيما.. تلك الطاولة العامرة التي كنت تؤثث بها شغف اللقيا بما يليق بأهلك وأحبابك من حلو الكلام، وعذب السمر، وصفو السهر في الأصياف، حيث كان التذمر من ضجيج وإزعاج المصطافين والوافدين، كما في الأشتية، حيث كان يحلو لنا الإنصات لموسيقى الدواخل على إيقاع أمواج البحر الهادرة.. كانت أحاديث الجد والمزح حول السياسة، والثقافة، والمهنة، وشؤون الأهل، وأحوال الأصدقاء وأخبار كرة القدم …
حقا، يا صاحبي، كلما حزننا، جلسنا مع الذكريات نحتسي القهوة..
كيف استدرجتني إلى نعيم كنت منبعه الخصب، ثم تواريت باكرا، تاركا غصة في القلب؟. هو اليتم الباهظ، يا صاحبي..
تفقدت المكان من الخارج.. بياض دارك بالطابق الأول مازال يلمع، كون المنزل شهد مؤخرا أعمال إصلاح.. لمحت تلك الشقة بالطابق الثالث من العمارة.. شقة صديقك المقرب، الرجل النبيل الوفي، الراحل عبد السلام القباج.
أسفل دارك، التقيت (منانة)، صديقة العائلة، القروية الخدوم، التي تركنا لها نسخة من مفاتيح منازلنا.. كانت تقلم الأوراق المعرشة بكثافة في شجيرات الحديقة.. خرج صوتها متهدجا: “كي بقيتي أسي أحمد من جهة سي رشيد مسكين..؟ الله يرحمو .. خلا الدنيا خالية.. والله ما قدرت ندخل لدارو من بعد ما مشى عند الله …”.
رداء الألفة البهيجة الذي ألبسته فضاء الدار التي هناك أضحى شاحبا باهتا، يا صاحبي.. فكيف للبهجة التي كانت متوهجة بحضورك اللامع أن تستقيم من دونك؟ كان وجع الدماغ على أشده.. أحسست بالمكان الموحش أضيق من ثقب إبرة.
شعرت بوخز الوحدة ووجع الفقدان قويين، وأنا أنطوي بالداخل على الداخل.. ظلت عيني شاخصة نحو الهاتف الموضوع فوق الطاولة، لعله يرن. ففي مثل هذا الوقت من المساء كان صوتك يأتيني وازنا خفيضا.. مازال وقع كلماتك يتردد بعذوبة في أذني: “الشريف .. لاباس عليك؟.. آش كاتدير؟.. يا الله أسيدي، ممكن تلتحق فورا؟…”.
بشرفة المنزل انتظرت الأطيار. عهدي بها تقصد أوكارها عند المغيب على شجيرات الحديقة، لكنها أخلفت الموعد.. أصائص الأزهار بالشرفة ذبلت. تلك الشرفة التي منها كنت ألمحك وأنت تخطو بجسدك المنهك نحو السيارة التي كانت تقودك نحو أماكنك الأثيرة بالمدينة: (مطعم البارك).. (مطعم هاجر)، اسم ابنتك الغالية، وغيرهما كثير..
جفا النوم العين، واستبد الأرق بالذات.. شريط الذكريات لا يتوقف.. الاستحضار جميل، لكنه بطعم مرارة الفقد.. أسمع صوت آذان الفجر، وألمح الضوء المنبعث من الشقة بالبناية المقابلة لدارك.. شقة جارك الذي تعود على أن يقضي الليل ساهرا..
يقينا، لقد أصابت الجفوة علاقتي بالمكان.. وأنا أهم، اليوم، بمغادرة الإقامة ضجرا، لمحت بالبهو الخارجي رحبة وضبت، بعناية، لاستقبال حدث العيد السعيد.. الاحتفالية وشيكة.. احتفالية الذبح، والسلخ، والشواء واللباس الأبيض (…)..تساءلت بحرقة، على لسان جدنا المتنبي: “عيد، بأية حال عدت يا عيد .. بما مضى أم بأمر فيك تجديد…؟“.
رمقت العربة الهرمة المتروكة لقدرها بموقف السيارات.. العربة التي شاخت وهي تنتظر صاحبها (مومن)، “دينامو” المجمع السكني، صديقنا المشترك.. صديق المستملحات، والقفشات وأطباق الأكل الشهية..
كم هي قاسية وشديدة الوطأة حميمية المكان.. مكان معاشرة المحبة الذي كان والذي أضحى قاحلا بلا روح.. جافا بلا أنس..
ختاما، وهل لمرثية الأحبة ختام؟، أقرؤك السلام بعد أن بلغ مني الشوق ما بلغ.. هو الشوق الذي يأكل القلب.. وأقول لك، أيها الزعيم الغائب – الحاضر دوما: اسعد حيث أنت.. انتظرني هناك، فلنا موعد اللقيا البهية، الفاتنة، والدافقة بالمحبة ذاتها، بل وبأكثر منها..
أنثر كلماتي هاته، المقصرة، طبعا، في حقك، زهورا على قبرك الطاهر.. معك تيقنت أن الصداقة شمس لا تغيب.. جبل شاهق لا يتسلقه سوى الأقوياء.. ذكراك ستبقى في تجري مجرى الدم في الشرايين. فلك أنت، يا صاحبي، تحديدا، موضع قدم في القلب..

