الرباط: هرماس بريس
بقلم: إدريس أبو الشَّمائل
في مثل هذا الوقت تقريبا من السنة الماضية سطرْتُ بضعَ كلماتٍ في صفحتي على الفيسبوك عن المعهد العالي للإعلام والاتصال بالرباط ، اعتبرتُها مجردَ غيْضٍ مِن فَيض ، لأنّ الهدفَ منها في المقام الأول كانَ هو تهنئة خريجي تلك السنة الدراسية . ومِما كتبتُه يومَها أنَّ هذا الصرح الدراسي الإعلامي الذي تجاوز عمرُهُ الخمسين سنةً ، باعتبار الصِّيغِ الثلاثِ التي مرَّ بها ، له في قلوبِ أبنائه موقِعٌ ومَوضِع ، ولاسيما بالنسبة لمَنْ « واكَبُوهُ فكرةً حالِمة ، ثُم طِفلاً يَحْبُو ، قبلَ أن يخْطُوَ خطواته الثّابتة ويَشْتَدَّ عُودُه مع الوقت ، في ظروفٍ كانَ سَهْلُها وَعْراً وصَعْبُها جَمْرا » .
كنتُ في الواقع أودُّ الإطالةَ في تلك الوقفةِ بإيرادِ المبتدإ والخبرِ في قصة المعهد ، بحكمِ كَوْني وزملائي شرُفْنا بمواكبته في سنواته الأولى ، بما فيها من عِجافٍ وسِمَان ، ولكنني فضَّلتُ ترْكَ الموضوع لفرصةٍ أخرى ، أهتَبِلُها اليومَ هنا . فلْنَرْجعِ القَهْقرى في الزمن إذنْ لنبدَأَ القصةَ مِن المُبتَدإ قبل الوصولِ إلى الخبر.
أوّلُ الغيثِ قَطرة
ظهرتْ فكرةُ إحداثِ هذا الصرحِ الإعلامي في منتصف الستينيات من القرن الماضي ، ولو أنها لم تكن في الواقع فكرةً طارئة حملتْها الرياحُ على غيرِ موعِد . فعالمُ الصحافةِ والثقافةِ في المغرب لم يكن بِمنْأىً عن التفكير في ذلك ، ولكن الجِدّة في الأمر كانت في المبادرةِ والعملِ على تنفيذ الفكرة . وقد حدثَ مِن قَبِيلِ الصُّدفةِ المدروسةِ أنْ دخلتْ مؤسسةُ فريديريش نومان الألمانية على الخطِّ لتقديم اقتراحٍ للمسؤولين المغاربة في هذا الصدد . ونحنُ نعرف جيداً أن الدول الغربية والدولَ النافذة عموماً ، تلجأ لمؤسسات تابعة لها بكيفية مباشرة أو غير مباشرة ، للترويج لنفوذها أو لإيديولوجيةٍ بعينها في بلدان العالم الثالث على وجه الخصوص .
وبالنسبة لألمانيا بالذات كانت هناك ، مؤسسات فريديريش إيبرت وفريديريش نومان وكونراد أديناور ، التي كانت كلها ولا تزال واجهةَ ووسيلةَ العملِ الألماني على صعيد المجتمع المدني . ومؤسسة فريديريش نومان التي تعمل على نشر الفكر الليبرالي والترويج للحرية من منظورها ، كانت تنطلق في الواقع من نشاط سائدٍ في ألمانيا الغربية في ذلك الوقت ، يروم إعادةَ توحيدِ ألمانيا المقسمة من خلال العمل السياسي وإشاعة هذا التوجه . وإذا كان نشاطُ مثلِ هذه المؤسسات خارج بلدانها يطرح الكثير من التساؤل لأن ما يحركها في الواقع هو المصالح وإرادة تحقيق مزايا ومكاسبَ محددة ، والانتصارُ لأفكارٍ في اتجاه مُعين ، فنحن نقول إن هذا صحيح ، ولكننا لن نتوقفَ عنده لأنه موضوعٌ طويلٌ عريضٌ ليس هو المقصود هنا . ومع ذلك ، فإننا نرى أن الذكيَّ هو الذي يعرف كيف يستفيد من اليد الممدودةِ إليه ، بأخذِ ما يفيده وترك ما يريبه ، أو بمعنى آخر ، يستفيد من غيره ويقرر لنفسه . وأعتقد أن هذا حصل بالنسبة للمعهد بلا جدال ، سواءً بالنسبة لمواصفات الخريجين ، أو بالنسبة لأداء المعهد .
المخاضُ العسير
المهمُّ أن مؤسسة فريديريش نومان أجْرت ، في منتصف الستينيات ، اتصالات مع المسؤولين المغاربة بخصوص إحداث « بِنْيةٍ » ، يُتَّفَقُ على صيغتها وشكلِها لإنشاء معهد لتكوينِ وتأهيل الصحافيين بالرباط . وهو ما فعلتْه أيضا مع تونس التي تجاوبتْ بسرعة مع الاقتراح وأنشأت على أساسه ، سنة 1967 ، معهداً لهذا الغرض هو معهد الصحافة وعلوم الأخبار، الذي أصبح تابعاً لجامعة منوبة . ولم يكن هناك مشكلٌ بالنسبة لتونس بطبيعة الحال ، لأن هذا البلد كان يعيش في ظل حكم الحزب الوحيد عموما ، والصحف كانت فيه مراقَبةً مراقبةً لَصِيقة . ولم تكن هناك خشيةٌ من تبعات إحداث المعهد ولا من خريجيه .
لكنّ الأمورَ كانت تختلف تماما في المغرب . فالبلدُ كان يعرف تعدديةً حزبيةً ، والصحفُ النافذةُ كانت كلها تقريبا تابعةً للأحزاب ، وكان بعضها في صراعٍ مع السلطة ، وفوق هذا ، كان المغرب حينئذ يعيش في حالة استثناء نتيجة أحداث مارس 1965 . وبما أن الصحافة كانت مُسَيَّسةً إلى هذا الحد ، فقد كان هناك خلافٌ وتساؤلٌ حتى في شأن مواصفاتِ الصحافي الذي سيتخرج من المعهد ، والمنافذِ التي ستُتَاح له .
ففي جامعة محمد الخامس أيامَها كان يُطْرحُ حتى مشكلُ بعض الشعَب التي كانت السلطة تراها مُسيسةً أكثرَ من اللازم بفعل الانتماء المُكثف للأساتذةِ والطلبةِ على السواء لأحزاب اليسار، فما بالك بشعبةٍ تزيد الطينَ بَلّة على اعتبار أنها تتغذى بالسياسة أصلاً !
ومع ذلك يمكنُ القول إنه مع مرور الوقت بدا أن الأمور كانت تتعقد أكثر بسبب بعضِ الوزراء المُرتَجفين ، الذين كانوا يَمُرُّون ( وأقول يمرون قصداً للتعبير عن واقع الحال ) بوزارة أنباء قاصرةٍ في مفهومها وضبابيةٍ في اختصاصاتها ، بل محدودةٍ حتى في استقلالِها بنفسها ، لأن اختصاصاتٍ أخرى كانت تُسنَدُ إليها ، مما كان يجعلها شبيهةً بتلك السلة التي يُوضَع فيها ما لا يجدُ مكانه في غيرها ، بما يعني ذلك من تقليلٍ لشأنِ السلة ولِما في السلة !. ولا يجب أن ننسى أيضا أن ظلَّ الجنرال القوي محمد أوفقير ، وزير الداخلية في ذلك الوقت ، كان حاضراً بقوة حتى في شؤون الصحافة والصحف .
وكان وزيرُ الأنباء خلال السنتين الأولَيَيْن من حالة الاستثناء هو أحمد مجيد بن جلون ، وهو رجل قانون مرموق ، كان ذا كفاءة عالية في مجاله ، ومتقناً للكتابة بالفرنسية ، ولكنه كان في مجال حرية التعبير رجلاً أقربَ إلى الرقيب المنغلقِ مِنْه إلى المنفتحِ المُنطلِق ، ولو أن هذه الأمور كانت تتعداه أصلاً . إلا أن الجديد في عهده هو أن الوزارة على الأقل لمْ تبق وزارةَ كلِّ شيءٍ ولا شيء ، كما كانت في عهد سلفِه مولاي أحمد العلوي . ولم يكن غريباً في مثلِ هذه الأحوال عدمُ ظهورِ المعهد بتزامُنٍ مع إنشاءِ نظيرِه التونسي ، الذي يُعتبَر في الواقع بمثابةِ توأمٍ للمعهد المغربي من حيث ظهور فكرةِ إنشائهما .
وسيتأسس على هذا التوافقِ تعاونٌ مكثفٌ بينهما ، لا سيما في عهد المدير الأسبق للمعهد التونسي الدكتور منصف الشنوفي ، الذي عمّر طويلا في المعهد قبْلَ الالتحاق بإحدى دول الخليج العربي للتدريس . وكان يزورنا في الرباط لإلقاءِ محاضرات أو إحياءِ ندوات بمعهدنا ، تتعلق بمواضيع كان يتقنها ، مثل تاريخِ الصحافةِ في تونس والمغرب العربي عموماً . كما كان يشجعُ على تبادلِ لقاءاتٍ وزياراتٍ بين الطلبةِ الصحافيين المغاربة وزملائِهم التونسيين . وقد تُوفِّيَ رحمه الله سنة 2020 جرّاءَ جائحةِ كورونا على ما يبدو .
جمالُ القصيدةِ في الاسْتِهلال
لهذا لم يَظهر المعهدُ بصيغته الأولى إلا بمجيء أحمد السنوسي سنة 1969 ، في عهد حكومة الدكتور محمد بنهيمة . وهذا لم يكن مستغرَباً ، لأن هذا الدبلوماسيَّ المُتمرِّسَ كانتْ له حظوتُه لدى المرحومِ الملك الحسن الثاني . ولكننا مع ذلك لن نبالغَ إلى درجةِ اعتبارِ الأمرِ مرتبطاً بإرادةِ شخصٍ بِعينِه .. بل الأمرُ كان مرتبطاً بتوجُّهٍ سياسيٍّ ملائمٍ لدى الدولة ، خاصة وأن حالةَ الاستثناءِ كانت قد طالت أكثر من اللازم مع كثرةِ مُطالبةِ الأحزابِ برفعِها . وكان واضحاً أن جلالةَ الملك كان هو نفسه يفكرُ في ذلك ، لهذا قام بتعديل الحكومة التي كان يرأسها بنفسه وأسندَ مهمةَ الوزيرِ الأولِ فيها إلى محمد بنهيمة ، في انتظارِ تَوفُّرِ الظروفِ المناسبةِ لرفعِ حالةِ الاستثناءِ تماماً .
وانطلق المعهدُ إذنْ بصيغة أُولى في شكلِ مؤسسةٍ لإعادةِ تكوينٍ سريعٍ لبعضِ الصحافيين العاملين بالمرافقِ الإعلاميةِ للدولةِ أساساً ( وأقول أساسا تفاديا للتعميم ) ، قبْلَ أن يصبحَ المعهد مؤسسةً تعليميةً عُليا سنة 1970 ، تحمل اسم مركز تكوين الصحفيين . وكانت مدة الدراسة فيه أربعَ سنواتٍ مِنْ سِلكيْن اثنين ، سلكٍ أول مدتُه سنةٌ واحدةٌ لا يُقبَل الرسوبُ خلالها ، وتَفتَح المجالَ للعملِ صحافيّاً مِن مستوىً مُعيَّن ، وسلكٍ ثانٍ قِوامُهُ ثلاثُ سنواتٍ ، يَفتح المجالَ بعد التخرجِ لرئاسةِ التحرير .
وكان لافتاً للانتباهِ أنّ انطلاقَ الدراسةِ بالمركز سَبَقتْه « دعايةٌ » لا بأس بها ، لإبرازِ الحدث ، سواءً بالنسبةِ لمباراةِ الولوج ، أو بالنسبة للدراسة في حد ذاتها . وقد استقطب المركزُ بالفعل عدداً من طلبة الجامعة ، فضلاً عن بعضِ حاملي الباكلوريا ، خلال السنوات الثلاث الأولى ، ولو أنّ قدرتَه الاستيعابيةَ كانت محدودة لمْ يتَسَنَّ معها قبولُ عددٍ أكبر من الراغبين في الالتحاق به . لهذا كانت المباراةُ على درجةٍ كبيرةٍ من الانتقائية . وكان مقرُّ المركزِ هو فِيلاَّ الفيلسوفِ الدكتور محمد عزيز الحبابي بحي أكدال بالرباط ، قبل أن تُضافَ إليه فيلاَّ أخرى في محيطه القريب ( كنا نسميها فيلا الجنرال ) ، بعد التحاقِ أفواجٍ جديدةٍ بالمؤسسة .
والطريفُ في الأمرِ أن طلبةَ السّنةِ الثالثة ، خلال السنة الدراسية 1972/1973 ، فُوجئوا وهم يستعدون للتخرج ويفكرون في العمل هنا أو هناك ، بزيارةِ أحمد مجيد بن جلون ، الذي كان قد عاد لتولِّي حقيبةِ الأنباء ، لإخبارِهِم بأنَّ تخرَّجَهم لن يكونَ إلا في السنة اللاحِقة ، أي في سَنَتهِم الرابعة ، باحتسابِ سَنةِ السلكِ الأول . وقد أصابهم ذلك بإحباط شديد ، ولَوْ أنّ الوزيرَ كان على حقٍّ تماماً ، لأنّ رجلَ قانونٍ من طِينتِه ما كانت لِتُعوزَه القراءةُ السليمةُ للنّصّ .
الوزارةُ والمركز : مدٌّ وجَزْر
وقد كان أمْراً لافتا للانتباه أن يعود مجيد بن جلون بالذات إلى وزارةِ الأنباء التي كان على رأسِها قبْلَه شخصٌ من التّوجُّهِ المعاكسِ تماماً ، وهو عبد القادر الصحراوي الذي كان قَبْلَ استوزارِه يصولُ ويجولُ في جريدة “المحرر” ، التي كان يصدرها الاتحاد الوطني للقوات الشعبية . وإذا كان اختيارُ الصحراوي للمنصب ، بعْدَ أحداثِ الصخيرات سنة 1971 ، في حكومتي محمد كريم العمراني الأولى والثانية ، له مِن معنىً ، فهُوَ أنَّ إرادةً سياسيّةً كانت تَتَبلْورُ في اتجاهِ التّنْفيس .
ومع أن أحمد مجيد بن جلون عملَ على جعلِ المركزِ تحتَ رَقابتِه اللصيقة والمباشرة ، بِتعْيينِ مسؤولين طَوْعَ البنَان لتنفيذِ أوامرِه عن الطرف المغربي في اتفاقيةِ إحداثِ المركز، إلا أن ذلك لم يُؤثِّرْ في الواقعِ على حُسنِ سيْرِ الدراسة ، لأن الجانب المادي والأهم كان بيد الطرف الألماني .
وخلال تلك المدة كان يجري التحضيرُ في سِرِّيةٍ تامّةٍ لحدثٍ سيقلبُ الأمورَ رأساً على عَقِب ، وهو المسيرة الخضراء لاسترجاعِ الصحراء المغربية ، التي كانت القِلّةُ القليلةُ من المقربين من المرحوم الملك الحسن الثاني على عِلْمٍ بها للضرورةِ القصوى . لكنّ إرهاصاتِ الحدثِ كانت تتجلَّى في عدة أشياء ، وعلى أكثرَ مِن صعيد ، دونَ أنْ يكونَ في الإمكان معرفةُ طبيعةِ ذلك الحدث .
ذكرَ الوزيرُ السابقُ محمد القباج في يوم من الأيام ، في حديث للتلفزيون المغربي ، أنه لمَّا كان مسؤولا عن مديرية الطرق حوالي منتصف السبعينيات ، كان لا يجد تفسيراً شافيا لإيلاءِ الملكِ أهميةً خاصةً لبناءِ وتوسيعِ الطرُقِ جنوبَ أكادير في اتجاه طان طان ، على اعتبار أن ذلك لم يكن ينسجم مع ترتيبِ الأولويات الطرقية حينئذ . وقال إننا لم ندركْ ما كان يخطط له جلالة الملكُ إلا بعد إعلان تنظيم المسيرة وعُبورِها لتلك الطرق بالذات !.
وأعتقد أنّ مثلَ هذه الملاحظة تَصْدُق أيضا على عدة مرافق أخرى من بينها قطاعُ الإعلام ، وضِمْنَه مركزُ تكوين الصحفيين الذي بدأ التفكيرُ الجِديُّ في بناءِ مقره الحالي ، وإيجادِ نصٍّ قانونيٍّ جديدٍ لإدماجه في المنظومة الجامعية ليصبحَ اسمُه المعهد العالي للصحافة . وقد تمَّ كلُّ هذا في خِضمِّ ذلك الجوِّ العام ، فتواتَرتِ الأحداثُ وأبْعِد السيد مجيد بن جلون عن وزارة الأنباء في حكومةِ أحمد عصمان الأولى المُعَدَّلة في أبريل 1974 ، ليحلَّ مَحلَّه أحمد الطيبي بنهيمة بصفته وزيرَ دولةٍ مُكلّفاً بالإعلام أتَى من وزارة الخارجية . وكانت تلك المرةَ الأولى التي يًصبح فيها الإعلام اسماً وشعاراً للوزارة ، وهو ما كان يوحي بِتصورٍ جديدٍ للقطاع وبُعدٍ سياسيٍّ واضحٍ يؤشرُ على حدثٍ قادِم ووضْعٍ جديد ، نعرفُ الآن أنه حدثُ المسيرةِ الخضراء التي أعلنَ المرحوم الملك الحسن الثاني عن تنظيمها في 16 أكتوبر 1975 ، قبل أن تنطلقَ بعدَ ذلك بواحدٍ وعشرين يوما .
وكان حفلُ وضْعِ حجرِ الأساسِ للمعهدِ ، في حدِّ ذاتِهِ ، تَكْتنفهُ الكثيرُ من الرّمْزيات . فقد أشرفَ عليه ثلاثةُ وزراء ، همْ أحمد الطيبي بنهيمة ، بصفته الوزيرَ الوصيَّ على قطاع الإعلام ، وعبد اللطيف بن عبد الجليل ، وزير التعليم العالي ، ومحمد بوعمود وزير التعليم الابتدائي والثانوي . وكان واضحاً أن المركزَ الذي كان قد تخرجتْ منه لحدِّ تلك اللحظة ، ثلاثةُ أفواجٍ رُباعية سنواتِ التكوينِ الدراسي ، أصبحَ واقعاً ملموساً في الممارسةِ الإعلاميةِ المهنية ، وفي المنظومة الجامعية المغربية التي كان المرحوم الملك الحسن الثاني ، وقتَ قيامِهِ بتعديل حكومة أحمد عصمان الأولى في 25 أبريل 1974 ، قد أوصى السيد بن عبد الجليل بالذات بالتركيز على إصلاحها .
في تلك الفترة كان المعهدُ قد فرضَ نفسَه وواقعَه على الوزارةِ الوصيةِ ، بعد أن مَرَّ بفترةٍ رماديةٍ ظلتْ علاقتُهُ بها أشْبهَ ما تَكون بالعلاقةِ القائمةِ بين الزوجِ والرَّبٍيبِ . فلا الزوجُ قابِلٌ عنْ طِيبِ خاطِر بنوةَ مَنْ دخلَ بيتَه عُنوةً في حقائب الزوجة ، ولا الربيبُ مُسْتسِيغٌ أبُوةَ مَنْ « خَلَفَ » أباهُ على أمِّه في غيرِ رضىً منه .. ومِن لَطائفِ اللغةِ العربيةِ أنها تطْلقُ عليهما معاً صفةَ ربيبٍ ، كما لو كانتْ تريدُ إبرازَ التنافرِ الحاصلِ بينهما بجعِلِ كلٍّ منهما ربيباً للآخر. لأنّ كلَّ واحدٍ منهما طارئٌ على صاحبه مِن غيْرِ رَغْبة وتَوْق ، وكلاًّ منهما مُجْبَرٌ على الإقبالِ على « غريمِه » في غيرِ تَطَلُّعٍ وشَوق .
وكان الفضل في ذلك المرورِ المُوفَّقِ للمعهدِ مِن حالٍ إلى حال ، عائداً إلى الكفاءة التي أبانَ عنها المتخرجون الأولون من مركز تكوين الصحافيين .. ولو عُدْنا إلى الرّمْزيات مرة أخرى ، فسنلاحظ في الصورةِ المُرْفَقةِ بالمقالِ أن الطاقمَ الصحافيَّ الذي قام بمواكبة حدثِ وضْعِ حجرِ الأساس ، يتكون من أربعة صحافيين ، ثلاثةٌ منهم تخرجوا من المركز ، وهم الزميلان فطومي قدور وأحمد اخشيشن ، فضلاً عن كاتبِ هذه السطور .
صَبْوَةُ الذِّكْرى
وأنا أخُطُّ هذه السطورَ مُنْساقَ النفسِ مع حنين جارفٍ إلى تلك اللحظةِ التاريخية ، أُرَانِي ذاكِراً ، كما لو أنَّ الأمرَ حدثَ بالأمس ، أنه عندما كانت تجري يومَ 29 دجنبر 1976 ، مراسِمُ وضْعِ حجرِ الأساسِ لإرساءِ هذا المعهد العتيد في مقره الحالي ، تَصادَفَ ذلك مع نزولِ مطرٍ خفيفٍ أضفى على المكان مُسحةَ رُواءٍ وأنَق . وبَيْنما أنا شِبْهُ حالِمٍ وقْتَها أتَنَسَّمُ أرِيجَ الطبيعةِ المُبْتلَّةِ حوْلي ، دَبَّتْ في النفس قشعريرةُ المفعولِ السحري للطبيعةِ والحدثِ معاً . وتحوَّلَ كلُّ ذلك فجأةً إلى شعورٍ بالأملِ كبير ، ربما بسببِ رؤيةِ أُولَى تباشيرِ تَحَقُّقِ الحُلمِ بعد طولِ انتظار . كنّا فعلاً وقْتَها قد سئِمْنا مِن رؤيةِ ذلك المُجَسَّمِ الأزلي معروضاً في الإدارة إلى ما لا نهاية .
كنتُ شخصيا أتَوقَّعُ أن يأخذ بدْءُ أشغالِ البناءِ بعضَ الوقتِ ، على غرارِ أحوالِ الكثيرِ من المشاريع التي كانت في تلك الحقبةِ تُوضعُ أحجارُ أسُسِها دون أن يعنيَ ذلك بالضّرورةِ انطلاقَها الفَوري ، ولكنّ الأملَ ظلَّ ، مع ذلك ، جامِحاً في النفس . كانت المنطقةُ التي تحيط بالمكان فارغةً أو تكاد . حتى الوزارةُ الوصيةُ لم تكن بَعدُ في مقرها الحالي المجاورِ للمعهد .. كنا نسمع في تلك الأيام أن الكثيرَ من المؤسسات الجامعية ستُقامُ هنا وهناك حوْلَ موقعِ المعهد . فها نحن نرى ذلك الآن رأيَ العين ، حتى إنك لا تكادُ تَرى مِن فراغٍ بالمكانِ إلا ما خُطِّطَ لَه ليكون كذلك .
يا لَهُ مِن شعورٍ جميلٍ أن يَمْتَدَّ الزمنُ في عروقِك ، وتعودَ بكَ الذكْرى إلى يومٍ بعيدٍ كنتَ فيه شاهِدَ حدثٍ ، أو جُزءاً مِن لَحْظَةٍ فارِقةٍ .
*******************************
- الصورة/الوثيقة المرفقة، من الأرشيف الخاص لكاتب هذه المقالة التأريخية، الأستاذ إدريس أبو الشمائل، الذي يبدو واقفا أقصى يمين الصورة، خلف حامل الميكروفون الصحافي الإذاعي، سي محمد السباعي ، رحمة الله عليه. وهي (الصورة) تؤرخ لحدث وضع الحجر الأساس لبناء المعهد العالي للإعلام والإتصال يوم 29 دجنبر 1976.

