الرباط(هرماس بريس):
بقلم: لطيفة باجو*
” كفى، لا تحملونا مسؤولية تربية أبنائكم أيضا. فهي تبدأ أصلا من البيت”… هكذا صرخ الأساتذة والمربون والإداريون في نداء انتشر منذ أيام عبر مواقع التواصل الاجتماعي. أسموه نداء، لكنه في الحقيقة، كان أقرب منه إلى بيان حرب… شنوها ضد كل أولياء أمور التلاميذ بالمؤسسات التعليمية، فانقسم المتابعون بين من رأى أن النداء لم يأت إلا بالحقيقة المرة، وبين من اعتبره تجنيا ولا أساس للاتهامات من الصحة.
كان النداء مباشرا وصريحا، بدون أي تلميح أو ديبلوماسية، حمّلوا من خلاله الأسر مشكلة تراجع القيم واضطراب السلوك وتردي الأخلاق وغياب كل انضباط للتلاميذ داخل ساحات وفصول المؤسسات التربوية والتعليمية التي تحولت إلى حلبات صراعات ومنافسات بين الصغار واليافعين حول أشياء تافهة.
عاتب الإداريون والأطر التعليمية الأسر لتخليها عن وظيفتها الأساسية المتمثلة في التربية، وإهمالها مهمة غرس الأخلاق الحميدة في نفوس الأبناء، واتهموها بأنها صارت تعول على المدرسة في كل شيء.
والحقيقة أن كل طرف قد رفع شعار البراءة…
أولياء متذمرون من المدرسة، ومؤسسة تعليمية متذمرة هي الأخرى من الآباء، والنتيجة أن لدينا جيلا متذمرا من الجميع، ولا مجال للحوار بين الطرفين. والأفظع في كل هذا، عدم انتباههما إلى أن الحلقة الأضعف في هذا الصراع التربوي العبثي يبقى هو المتمدرس. يتقاذفان المسؤوليات، في الوقت الذي تضيع فيه القيم الواحدة تلو الأخرى، وتتحول المدرسة تدريجيا إلى حلبة صراع ومعارك بدون منتصر… لكنهما يتسابقان إلى نسب الفضل إليهما كلما حقق تلميذ ما نجاحا بجهده.
كانت المدرسة في الماضي تقوم بمهمة التربية والتعليم في حين يتكلف البيت بالتربية أيضا ومعها المتابعة. هذا هو الهدف الذي وجدت من أجله المؤسسة التعليمية؛ أما اليوم، فقد صارت تجاهد من أجل إصلاح ما أفسدته الهواتف والشاشات، في الوقت الذي تكتفي الأسرة بمتابعة منشورات أبنائها على مواقع التواصل. تراقب أيضا… لكن فقط كم حصدت صفحاتهم من إعجاب ومن متابعين جدد…
لنكن صرحاء… يُفترض في المؤسسة التعليمية أن تكوّن الأجيال وتصنع العقول، غير أننا نصدم أمام مدارس هي أشبه بالمستشفى؛ حيث يطلب من المدرس، إلى جانب مهمة التعليم، أن يصير أبا بديلا، ويحل النزاعات، ويعالج ضعف التركيز لدى التلاميذ، ويصحح انفلاتهم الأخلاقي، ويصلح أيضا كسلهم التربوي القادمين به من البيت. لقد تحول المدرسون من معلمين إلى أطباء نفسانيين ومصلحين اجتماعيين، يعالجون ما عجز عنه الأولياء، ويصارعون عقولا مشتتة بين الشاشات والبروفايلات والصفحات والمعجبين… لقد تعبوا، لكن ليس من شرح الدروس وتلقين المفاهيم، وإنما من صعوبة مهمة إعادة ما فشلت الأسرة في زرعه.
في الطرف الآخر، نواجه آباء وأمهات يسابقون الزمن لمواجهة الحياة التي صارت صعبة بشتى ضغوطاتها، فلم يعد لهم من الوقت لتكريسه لصغارهم، واتجهوا إلى الدروس الخصوصية بدل متابعة أبنائهم بأنفسهم… لنكتشف آسفين، أنهم أيضا ضحايا هذا العصر، والمفارقة المؤلمة هي أنهم لا يجدون آذانا صاغية، وهم يصرخون في وجه أبنائهم المحملقين في هواتفهم… لأنهم هم أيضا أعينهم على شاشاتهم. إنهم يشْكون من انحراف الصغار، وهم قدوة سيئة أمامهم على مدار الساعة. يطالبونهم باحترام الكبار، وبالعودة إلى القراءة، وعدم إدمان محتويات الشبكات الافتراضية، وحفظ القيم، وهم أنفسهم غائبون في مشاكلهم وغارقون في العالم الافتراضي…
وفي النهاية، يخرج الطرفان بخطابات يتهمون فيها بعضهم البعض، من قبيل “أبناؤنا ضحايا فشل نظام التعليم!”، و”الأستاذ ضحية إهمال الأسرة !” والحقيقة.. أن هؤلاء لم يربوا، وأولئك لم يعلموا، فصار الجيل الجديد يربي نفسه بنفسه ويتابع ما يلقنه الشارع والانترنت والتيك توك، تاركا الكبار يتبادلون التهم بضعف التربية والتعليم عبر منشورات وتدوينات وتغريدات على المواقع الافتراضية.
قد يكون هذا مشهدا كوميديا أسودا، لكننا لا نفقد الأمل، فهناك دائما بصيص ضوء…
الخلل موجود باعتراف الجميع وبتصريحهم بالرغبة في إصلاحه، فلنكف إذن عن لعبة التبرير وتصدير الأعذار، وجلد كل طرف للطرف الآخر. فليتحمل كل واحد مسؤوليته، فكلاهما مذنب؛
فليجلس الأولياء مع أبنائهم أكثر من جلوسهم مع هواتفهم واهتمامهم بالأصدقاء ومواقع التواصل الاجتماعي، ومرحبا بالحوارات والنقاشات العائلية… فالبيت ليس فندقا يوفر للأبناء فقط إقامة مريحة، وأكلا فاخرا، وويفي سريع…
فليعقد الأساتذة لقاءات مع الأولياء، بدل الاكتفاء بتدوين جمل في مذكرات إدارية لا يفهم منها شيء أحيانا، حتى لا تصير المدرسة ذلك المتهم الجاهز الذي يعلق عليه الجميع فشله؛
لنجعل التربية مسؤولية الجميع ومهمة يومية لا موسمية، ولا مادة تدرس حسب الأهواء؛
ليقتنع الجميع بأن تحقيقنا لمدرسة ناجحة أمر يبدأ من داخل كل بيت يهتم بتربية أبنائه ويأخذ على عاتقه مهمة تلقينهم القيم والأخلاق ومتابعتهم عن كثب، لكن أيضا بعمل جاد ومسؤول من المدرِّس؛
فهكذا… وهكذا فقط، سيكون الجيل القادم متوازنا وخلوقا كما نحلم به، وطبعا متعلما ومثقفا كذلك…
وفي انتظار توقف المربين والأولياء عن تبادل التهم، وإدراكهم بأن نجاح التربية والتعليم يستحيل دون شراكة صادقة بينهما، وضرورة تحمل كل طرف مسؤوليته كاملة، ستواصل الشاشات والشوارع تلقين وتعليم أبنائنا ما عجزنا عن تعليمهم بالقدوة. والخوف كل الخوف أننا يوم نحتاج للقيم ونبحث عنها، نجدها غائبة تحت طبقات كثيفة من الغبار، تماما كأي وثائق قديمة تخلصنا منها بتركها في قاعات الأرشيف.
****************
*صحفية.


تعليق واحد
مقال مكتوب بطريقة جد راقية