تارودانت(هرماس بريس):لحسن لعسيبي*
تذكرني كمية الثلوج التي نزلت ندفها بعدد من المناطق الجبلية بالاطلس الكبير وصولا حتى عمق الأطلس الصغير باتجاه إقليم طاطا، بالثلوج الكثيفة التي عشتها في طفولتي التي بعدت الآن ما بين سنوات 1964 و 1970..
كنا حينها نقضي أسابيع كاملة تحت رحمة بياض الثلج وزمهرير الريح التي تعوي لأيام، قارسة كالابر، نتحلق حول كبار العائلة في طقس حكايا طويلة، نتدفى بحرارة “تاكاتين” (جمع تاكات التي تعني الموقد)..
كان الثلج يصل في بعض الزوايا مترين من العلو، وكانت الطرق تحفر ليس بالمعاول بل بدقيق الملح الأحمر (تسمى في الدارجة المغربية “الملحة الحية”، كما لو أن الملح الأبيض ميت)، الذي يرش مثلما تبدر البدور في الحقول، فيذوب الثلج بسرعة مثيرة كما لو أنك تصب عليه ماء مغليا..
كمية الثلوج التي نزلت منذ يومين هناك في تلك الأعالي على مساحة جغرافية تمتد لحوالي 300 كلمترا طولا و 200 كلمترا عرضا، جد مفرحة رغم صعوبات الطقس القارس في تلك الأعالي على الكثير من ساكنة الجبال، التي جبلت على التحدي والصبر ومواجهة أسباب الحياة بما في اليد من ممكنات عيش بلا نواح، بل بالصاعد من عزة نفس..
الناس هناك لا تنتظر غودو، بل تراهن فقط على مخلبها لشق الصخر..
هناك في تلك الأعالي الكرامة لها معان أخرى للتازر مع بعضهم البعض، ولليقين أن لا شئ ممكن سوى بما يصنعه ذراعك..
أيها الطفل هل أعود كما كنت، أم إن اسفلت المدن قد أمات شعوري؟

****************
*النص تدوينة للكاتب الصحفي لحسن العسبي في صفحته على “فايس بوك”

