باريس(هرماس بريس):
بقلم : أحمد الميداوي*
لم يعد التعليق الرياضي، في بعض المنابر، فعلا مهنيا محكوما بقواعد الحياد والموضوعية، بل تحوّل إلى منصة لتصفية الحسابات السياسية، وتفريغ الأحقاد، وبث الرسائل المسمومة في الوعي الجماعي. وفي هذا السياق، يبرز نموذج المعلّق الجزائري المدعو، حفيظ الدّراجي، بوصفه حالة دالّة على هذا الانحراف الخطير من الإعلام إلى الدعاية، ومن التحليل إلى التحريض، ومن المهنية إلى الاصطفاف الأعمى.
فبدل أن يكون الصوت الرياضي جسرا للتقارب بين الشعوب، صار أداة لزرع القطيعة. وبدل أن تكون الكرة لغة كونية توحّد، تحولت إلى ساحة صراع رمزي يُستعمل فيها ميكروفون قناة الجزيرة كسلاح ناعم يعيد صياغة الوعي، ويعيد تشكيل صورة الآخر بوصفه عدُوا دائما. خطاب الدراجي لا يُقرأ بوصفه مجرد مواقف فردية معزولة، بل باعتباره جزءا من عصابة حاكمة أوسع لا تبني لكنها تُتقن الهدم، ولا تُنتج لكنها تُتقن التشويه والتحريض، وتُعيد إنتاج نفس القوالب: شيطنة المغرب، نزع الشرعية الرمزية عن نجاحاته، وتأويل كل إنجاز مغربي في إطار المؤامرة. وهي جميعها عناصر تُحيل مباشرة على منطق الإعلام العدواني المنحاز، لا الإعلام المهني. والخطير في هذا الخطاب ليس حدّته، بل وظيفته، كونه لا يعلّق على الرياضة، بل يوظّفها. لا يشرح المباراة، بل يزوّر الوعي، ولا يحلل الأداء، بل ينتج خطاب الكراهية والعداء. وهنا ننتقل من معلّق رياضي إلى متورط سياسي، ومن إعلام نزيه إلى أداة صراع تُدار بالصور، وبالرموز وباللغة العدائية المشحونة.
والمفارقة الكبرى أن هذا النوع من خطاب الدّراجي، بدل أن يُضعف المغرب، يعزّز حضوره؛ لأن الدول لا تُستهدف إلا حين تكون فاعلة، ولا تُحارَب رمزيا إلا حين تصبح رقما صعبا في المعادلة. ثم إن تحويل المغرب إلى عدو دائم في الخطاب الإعلامي لا يخدم الشعوب، بل يخدم فقط منطق الأنظمة المغلقة التي تحتاج إلى عدو خارجي دائم لتبرير أزماتها الداخلية، وفشلها التنموي، وانسداد أفقها السياسي.
والمتمعن قليلا في الحالة المرَضية للمعلّق الجزائري الذي توظفه الجزيرة لأغراض مشبوهة، سيجد أن المشكلة ليست في شخصه كفرد، بل في النموذج الذي يمثله، أي نموذج الإعلامي الذي يتخلى عن دوره الحقيقي، ليصبح جزءا من ماكينة الاستقطاب. نموذج الصوت الذي يفترض أن يشرح، فيُحرّض، ويحوّل الميكروفون إلى أداة تعبئة نفسية، جاعلا من الخطاب الإعلامي وقودا للحقد والكراهية، بدل أن يكون جسرا للتآخي والتعاضد. الرجل يصاب بهستيريا من التخبط حين تشرح له أن الرياضة هي أكبر من أن تُختزل في حقد سياسي، وأسمى من أن تُستعمل كأداة صراع، وأشرف من أن تُدنَّس بخطاب العداء الممنهج.
فحين تتحوّل إلى جهاز عدواني، فالمشكلة لا تكمن في اسمه كمعلّق، ولا في نبرته، ولا حتى في مواقفه الظاهرة، بل في البنية الخطابية التي ينطق من داخلها، والتي تجعله ليس أكثر من وظيفة صوتية لطغمة حاكمة، تعيد تركيب الواقع داخل بنية عدائية، بما يعني أننا أمام تسييس ناعم، لا يظهر بوصفه سياسة، بل بوصفه تعليقا رياضيا. ومن هنا، لم يعد ما يصدر عن الدراجي، مجرد آراء شخصية أو انفعالات عابرة، بل تحوّل إلى تحريض مفضوح، يستهدف المغرب دولة وشعبا ورموزا، خارج كل أخلاقيات المهنة، وخارج كل القواعد التي يفترض أن تضبط الخطاب الإعلامي المسؤول. والأخطر من ذلك، أن قناة الجزيرة التي تقدّم نفسها كمنبر للحرية والمهنية، تفتح شاشتها لهذا الخطاب، وتُوفّر له الشرعية، في مشهد لا يمكن تفسيره إلا كونه تورّطا أخلاقيا وإعلاميا في صناعة الكراهية، لا في نقل الخبر.
الدراجي أو “المُدرَج” كما يحلو لأهل الشرق أن يسمونه، يتحامل سياسيا بلغة رياضية، ويوظّف الميكروفون لا للتعليق، بل للتشويه والتهجم. والجزيرة بدعمه ومساندته، تحولت من قناة إلى شريك فعلي في هذا الانحراف الخطابي. وبسماحها المتكرر لهذا السقوط بالبث، تكون قد خلعت عنها كل ادعاءات الحياد، وأسقطت قناع المهنية، واختارت أن تكون طرفا في التحريض، وشريكا في التشويه لا شاهدا على الحقيقة.
الدراجي لا يعلّق بل يشتم، ولا يحلّل بل يحرّض، ولا يناقش بل يقذف، ولا يخاطب العقول، بل يزوّر الوعي. والجزيرة من كل هذا تستثمر فيه، وتحوّله إلى أداة خطابية مأجورة في صراع لا علاقة له بالرياضة ولا بالإعلام. ويجدر بكل متتبع للتورط المكشوف لقناة الجزيرة، في عملية التحريض ضد المغرب والمغاربة، طرح أسئلة حارقة تستدعي إجابة صريحة من القائمين عليها. هل يمكن لإعلام أن يكون منبرا للقذف ثم يدّعي المهنية؟ وهل يمكن لقناة أن تروّج للكراهية ثم تتحدث عن الحرية؟ وهل يمكن لمعلّق أن يشتم شعبا كاملا، ثم يختبئ خلف حرية الرأي والتعبير؟ أليس ما يقوم به الدّراجي سقوط مهني، وما تسمحون به سُمٌّ مدسوس، وما ينتج عنكما معًا، تزوير للواقع؟ أما المغرب بتاريخِه ورصيده الحضاري، ومكانته الإقليمية، هو أكبر من أن يُختزل في تعليق حاقد، وأرسخ من أن تهزّه منصة بخياراتها التحريرية المشبوهة. فالأوطان لا تُقاس بميكروفون، ولا تُشوهها شاشة تبحث عن مصداقية في الصراخ.
*****************
*صحفي مغربي مقيم في باريس.

