أبوظبي(هرماس بريس): الدكتور محمد بشاري
قال الراوي، وهو ممن اعتاد شدّ الرحال في طلب أخبار الرجال، إنه ما بلغ خبرًا أوقع في النفس من خبر رجلٍ جمع بين طمأنينة الجذور واتساع الأفق، حتى صار كالنخلة التي تضرب في الأرض أصلًا، وتمتد في السماء فرعًا، تُطعم حيثما حلّت، وتُظلّل حيثما وُجدت. ذلكم هو الأستاذ الدكتور عبد الوهاب البخاري زائد، الذي ابتدأت رحلته من مغرب الحضارة، ثم مضت به الأيام إلى قلب الإمارات، فصار فيها من صُنّاع المعنى وبُنّاة الأثر.
نشأ الرجل في المغرب، في بيئةٍ تُجلّ العلم وتُعلي من شأنه، فقصد معهد الحسن الثاني للزراعة والبيطرة، فنهل من علوم الأرض حتى استوى له منها أساسٌ راسخ. ثم لم يقف عند هذا الحد، بل ركب مركب العزيمة، وسافر إلى الولايات المتحدة، إلى جامعة ولاية كولورادو، حيث أتمّ دراسته العليا في علوم البستنة، ونال الدكتوراه بتفوقٍ كامل، حتى غدا من أهل التخصص الدقيق الذين يُشار إليهم بالبنان.
فلما عاد إلى وطنه، اشتغل بالبحث والتدريس، وتدرّج في مناصب العلم، حتى تولّى رئاسة مختبر فسيولوجيا النبات، ثم إدارة المركز الوطني للتكنولوجيا الحيوية، قبل أن ينتقل إلى جامعة القاضي عياض بمراكش، حيث جمع بين التعليم والتأطير، وأسهم في تكوين جيلٍ من الباحثين حملوا بعده مشعل المعرفة. وفي تلك المرحلة، برز اسمه في مجال زراعة النخيل وتقنيات الإكثار الحيوي، حتى عُدّ من كبار الخبراء في زراعة الأنسجة على مستوى العالم.
غير أن سيرته لم تكن لتُحصر في إطارٍ وطني، إذ انتقل إلى فضاء العمل الدولي من خلال منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة، حيث اضطلع بمهام كبرى، من أبرزها قيادة برنامج دعم إنتاج التمور في ناميبيا سنة 1995، فكان له دورٌ حاسم في نقل المعرفة الزراعية إلى بيئاتٍ جديدة، وربطها بقضايا الأمن الغذائي وتحسين سبل العيش. كما أسهم في إعداد مشاريع تنموية في عددٍ من الدول، من بينها المغرب، والسعودية، والأردن، ونيجيريا، وتونس، واليمن، وجنوب إفريقيا، حتى غدا حضوره علامةً على الخبرة المؤسِّسة لا المساهمة العابرة.
ثم كانت الإمارات، حيث تجلّى أثره بأوضح صورة. التحق بها سنة 2000، فشارك في قيادة مشروع تطوير قطاع نخيل التمر باستخدام تقنيات زراعة الأنسجة بجامعة الإمارات، وأسهم في إحداث نقلة نوعية في هذا المجال، كان من أبرزها نجاحه في إكثار “فحل مدينة العين” سنة 2010، وهو إنجاز علمي لافت في تقنيات الإكثار النباتي. ولم يلبث أن تولّى تأسيس مركز خليفة للتقانات الحيوية والهندسة الوراثية، الذي شكّل منصة متقدمة للبحث العلمي التطبيقي، وأسهم في ربط المعرفة الزراعية بالتنمية المستدامة.

ومن أعظم إنجازاته، التي تُكتب في سجل الريادة، تأسيس جائزة خليفة الدولية لنخيل التمر والابتكار الزراعي سنة 2007 بمرسوم اتحادي، وتولّيه أمانتها العامة منذ نشأتها. وقد تحولت هذه الجائزة، تحت قيادته، إلى مؤسسة عالمية رائدة، تُنظم المؤتمرات الدولية لنخيل التمر في أبوظبي، وتُشرف على مهرجانات التمور في مصر والسودان والأردن وموريتانيا والمكسيك وباكستان وإثيوبيا، حتى غدت النخلة، بفضل هذه الجهود، محورًا للتعاون العلمي والتنموي بين الدول.
ولم يكن هذا العمل المؤسسي منفصلًا عن رؤيةٍ أشمل، جعلت من النخلة مدخلًا للأمن الغذائي والاستدامة، وهو ما تجلّى في التجربة الإماراتية التي أصبحت من كبار منتجي التمور عالميًا، بإنتاجٍ يفوق نصف مليون طن سنويًا، وانتشارٍ لمنتجاتها في أكثر من خمسٍ وأربعين دولة، في نموذجٍ يجمع بين البحث العلمي والتخطيط الاستراتيجي .
وقد نال الدكتور عبد الوهاب زائد تقديرًا واسعًا على جهوده، فحصل على جائزة B.R. Sen من منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة سنة 1999، وجائزة التميز من المنظمة العربية للتنمية الزراعية سنة 2000، كما نال الميدالية الفخرية من الفاو سنة 2019، فضلًا عن الدكتوراه الفخرية من جامعة ولاية سونورا بالمكسيك سنة 2023، والميدالية الذهبية من جامعة بيناظير بوتو في باكستان سنة 2024. وتُضاف إلى ذلك رسائل التقدير الملكية التي تلقاها من جلالة الملك محمد السادس في مناسبات متعددة، وهو ما يعكس الاعتراف بقيمته العلمية والإنسانية.
كما أسهم في تأليف عدد من الكتب العلمية المرموقة، من أبرزها كتاب “نخيل التمر” الصادر عن منظمة الفاو، ومعجم مصطلحات التقانة الحيوية في الزراعة والغذاء، الذي تُرجم إلى عشر لغات، إضافة إلى كتابه “المجهول درة التمور” الذي صدر بعدة لغات، مما يعكس حرصه على نشر المعرفة وتعميمها.
وإذا تأملت هذه السيرة، وجدتها سيرة رجلٍ لم يكتفِ بأن يكون عالمًا، بل اختار أن يكون جسرًا بين العلم والإنسان، وبين التراث والتجديد، وبين الوطن والعالم. مغربيّ الجذور، إماراتيّ الانتماء، عالميّ الرسالة، صنع من النخلة مشروعًا، ومن المشروع مدرسة، ومن المدرسة أثرًا لا يزول.
وهكذا، فإن الحديث عنه ليس حديثًا عن فردٍ بلغ شأوًا في تخصصه، بل عن نموذجٍ يُعيد الاعتبار لقيمة العلم حين يُسخَّر لخدمة الإنسان، ويُثبت أن أعظم الإنجازات تبدأ بفكرةٍ صادقة، ثم تنمو، كما تنمو النخلة، في صبرٍ وثبات، حتى تُثمر مجدًا يراه العالم بأسره.

