قازان – تتارستان(هرماس بريس):

   في سياق دولي يتسم بإعادة رسم خرائط التحالفات وتبدّل أولويات الأمن والطاقة، احتضنت مدينة قازان، عاصمة جمهورية تتارستان الروسية، فعاليات المنتدى الاقتصادي الدولي السابع عشر “روسيا – العالم الإسلامي: KazanForum 2026”، الذي يُعد المنصة الروسية الأبرز للتعاون مع دول العالم الإسلامي، بمشاركة وفود رسمية وفكرية واقتصادية من عشرات الدول، ضمن برنامج يمتد من 12 إلى 17 مايو 2026، فيما تركز الأعمال الرئيسية يومي 14 و15 مايو 2026 في مركز قازان إكسبو، بالتوازي مع اجتماعات مجموعة الرؤية الاستراتيجية: روسيا – العالم الإسلامي التي تحتفل هذا العام بمرور عشرين عامًا على تأسيسها. 

   وفي هذا السياق، قدّم الدكتور محمد بشاري، الأمين العام للمجلس العالمي للمجتمعات المسلمة، مداخلة لافتة أعادت إدخال البعد الأمني والسيادي في قلب النقاش حول مستقبل الشراكات الأوراسية، مؤكدًا أن التحولات الجيوسياسية الراهنة تفرض مراجعة جذرية لمفهوم الشراكة الاستراتيجية.

   وقال الدكتور بشاري أمام المشاركين إن العالم لم يعد يحتمل شراكات رمزية أو تفاهمات دبلوماسية شكلية لا تنتج أمنًا حقيقيًا للدول، مشددًا على أن الشراكة الاستراتيجية لا تُقاس فقط بحجم التبادل التجاري أو المصالح الاقتصادية، بل بمدى احترام سيادة الدول، والالتزام الفعلي بأمنها واستقرارها.

   وفي تصريح حمل دلالة سياسية واضحة، أكد:

   “لا شراكة استراتيجية مع من يهدد أمن الخليج، ولا سلام مع مشاريع الهيمنة العابرة للحدود.”

   وأضاف أن الخليج العربي لم يعد مجرد فضاء إقليمي محدود، بل تحوّل إلى مركز حاسم في أمن الطاقة العالمي، واستقرار الأسواق، وسلاسل الإمداد الدولية، ما يجعل أمنه جزءًا من الأمن الدولي لا شأنًا محليًا معزولًا.

   وشدد الدكتور بشاري على أن أي مشروع استراتيجي جاد بين روسيا والعالم الإسلامي ينبغي ألا يقتصر على ملفات الطاقة أو الاستثمار أو النقل، بل يجب أن يُبنى على قاعدة سياسية وأخلاقية واضحة، أساسها احترام الدولة الوطنية، وتجريم توظيف الميليشيات والوكلاء العابرين للحدود كأدوات نفوذ جيوسياسي.

   وفي سياق حديثه عن التهديدات الإقليمية، وصف الاعتداءات التي استهدفت دول الخليج بأنها ليست مجرد خلافات سياسية ظرفية، بل أعمال عدائية تستهدف الاستقرار الإقليمي والبنى الحيوية المدنية والاقتصادية.

   وأشار إلى أن استهداف الإمارات العربية المتحدة يتجاوز الحسابات العسكرية التقليدية، لأنه يمس نموذجًا عربيًا قائمًا على الاستقرار والتنمية والانفتاح والتعايش، معتبرًا أن ضرب هذا النموذج هو محاولة لضرب فكرة نجاح الدولة الوطنية العربية ذاتها.

   وقال:

   “حين تُستهدف الإمارات، فالمسألة ليست استهداف دولة فقط، بل استهداف فكرة النجاح العربي والإسلامي القائم على الدولة والتنمية والتعايش.”

   كما نبّه إلى أن التهديد لا يقتصر على الأدوات العسكرية، بل يمتد إلى البنى الفكرية والعقائدية التي تعيد تشكيل الولاءات خارج إطار الدولة الوطنية، وتمنح العنف غطاءً أيديولوجيًا، بما يحوّل بعض الفاعلين غير الدولتيين إلى أدوات ابتزاز إقليمي مستمر.

   وتأتي هذه المواقف في لحظة تشهد فيها موسكو وقازان دفعًا متزايدًا نحو توسيع الشراكات مع العالم الإسلامي، إذ تؤكد الجهات الروسية أن المنتدى هذا العام يشهد مشاركة دولية واسعة، مع جدول أعمال يتجاوز 140 جلسة تغطي ملفات الاقتصاد، التمويل الإسلامي، التكنولوجيا، الثقافة، النقل، والطاقة. 

   واختتم الدكتور بشاري مداخلته بالتأكيد على أن العالم الإسلامي منفتح على الشراكات الكبرى، لكنه لم يعد مستعدًا للقبول بصيغ تعاون تتجاهل أمنه وسيادته، قائلاً:

   “الشراكة الحقيقية هي التي تحمي الدولة، لا التي تتغاضى عن تهديدها.”

   وقد لاقت المداخلة اهتمامًا في أوساط المشاركين، بالنظر إلى أنها نقلت النقاش من مستوى التعاون الاقتصادي المجرد إلى سؤال أكثر عمقًا يتعلق بمشروعية الشراكة نفسها حين تتعارض مع مقتضيات الأمن والاستقرار والسيادة الوطنية.

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version