دمشق(هرماس بريس):
بقلم: الأستاذ مصطفى المقداد*
تكمن التحولات الكبرى في الشرق الأوسط في النهايات التي تكشفها الخروب ، إذ أنها كثيراً ما تبدأ بالشعارات والتهديدات، لكنها تنتهي دائماً بإعادة تعريف موازين القوة، وبإجبار الأطراف على الاعتراف بما كانت ترفض الاعتراف به قبل اندلاع النار.
ومن هذه الزاوية تحديداً، يبدو النقاش الدائر اليوم داخل واشنطن وتل أبيب أخطر بكثير من المعارك العسكرية نفسها. لأن السؤال الحقيقي لم يعد ما إذا كانت الولايات المتحدة وإسرائيل قادرتين على ضرب إيران، بل ما إذا كان العالم مستعداً لتحمل كلفة حرب طويلة هدفها منع صعود النفوذ الإيراني في الخليج العربي .
هذا هو جوهر القلق الذي يعبّر عنه المفكر الأمريكي روبرت كاغان في مقاله الأخير في مجلة أتلانتك ، حين يقرأ بقلق شديد ملامح تفاهم أمريكي – إيراني ناشئ، بدأ يتسلل من خلف لغة “التهدئة” و”رسائل النوايا” و”فترات التفاوض المؤقتة”.
إذ لا تكمن أهمية المقال في تفاصيل المكالمة الأخيرة المتوترة بين ترامب ونتنياهو بل في ما تعكسه من تحو ل أعمق يتمثل في انتقال الولايات المتحدة من منطق الهيمنة الكاملة إلى منطق إدارة التوازنات المكلفة.
فواشنطن التي خاضت حروب العقود الماضية تحت شعار فرض النظام العالمي بالقوة، تبدو اليوم أقل استعداداً لتحمل أثمان المواجهة المفتوحة في الخليج، خصوصاً بعد أن أثبتت الحرب الأخيرة أن أي اشتباك واسع مع إيران لم يعد يهدد الجغرافيا العسكرية وحدها، بل الاقتصاد العالمي بأكمله.
وهنا تكمن العقدة الاستراتيجية الجديدة.
إيران لم تنتصر بالمعنى العسكري التقليدي، لكنها نجحت في فرض معادلة مختلفة ؛ جعل كلفة إسقاطها أعلى من كلفة التفاهم معها.
وهذا تحول بالغ الخطورة في منطق القوة الدولية.
فمنذ نهاية الحرب الباردة، قامت الهيمنة الأمريكية على قاعدة واضحة: حماية طرق الطاقة والتجارة العالمية مقابل احتكار القرار الأمني في الخليج. لكن ما تكشفه التطورات الأخيرة هو أن هذه المعادلة بدأت تهتز للمرة الأولى بصورة جدية.
لم يعد السؤال من يملك الأساطيل الأكبر، بل من يملك القدرة على تعطيل التدفقات الاقتصادية العالمية.
وفي عصر الاقتصاد المعولم، تصبح السيطرة على الممرات البحرية أخطر أحياناً من السيطرة على الجيوش.
لهذا لا يبدو مضيق هرمز مجرد ممر مائي في الحسابات الجديدة، بل مركز إعادة تشكيل النظام الإقليمي والدولي معاً. فالقوة التي تستطيع التأثير على تدفق النفط والغاز نحو آسيا وأوروبا لا تملك ورقة ضغط اقتصادية فقط، بل تملك قدرة سياسية هائلة على إعادة صياغة التحالفات الدولية.
ومن هنا يبدأ القلق الحقيقي في واشنطن وتل أبيب.
لأن أخطر ما يمكن أن يحدث ليس تعاظم القوة الإيرانية بحد ذاته، بل بدء العالم بالتكيّف معها.
الدول الصناعية الكبرى لا تتحرك بالعواطف، بل بالمصالح. وإذا أصبحت استمرارية الطاقة والتجارة مرتبطة بالتفاهم مع طهران، فإن كثيراً من الدول سيبدأ تدريجياً بإعادة ترتيب أولوياته السياسية. عندها لن تعود العقوبات الغربية أداة فعالة كما كانت، ولن يبقى عزل إيران ممكناً بالصيغة القديمة.
وفي هذا المشهد، تبدو القوى الآسيوية الأكثر استعداداً للاستفادة من التحول الجديد.
فالصين، التي تنظر إلى الخليج باعتباره شريانها الطاقوي الأول، ترى في أي تراجع أمريكي فرصة لتوسيع نفوذها الاقتصادي والاستراتيجي. أما روسيا، فتدرك أن إنهاك واشنطن في الشرق الأوسط يخفف الضغوط عنها في ساحات أخرى. بينما تسعى الهند ودول آسيوية صاعدة إلى بناء توازنات براغماتية تضمن استمرار تدفق الطاقة بعيداً عن الاصطفافات الأيديولوجية.
وهكذا، تتحول الأزمة من صراع أمريكي – إيراني محدود إلى لحظة إعادة توزيع للنفوذ العالمي.
أما إسرائيل، فهي تبدو الطرف الأكثر قلقاً من هذا التحول.
لأن استراتيجيتها خلال العقدين الماضيين قامت على فرضية أساسية أن إيران محاصرة، وأن الولايات المتحدة ستبقى مستعدة دائماً لخوض المواجهة الكبرى لمنع صعودها.
لكن إذا بدأت واشنطن بالانتقال من استراتيجية “الاحتواء بالقوة” إلى استراتيجية “إدارة التوازن”، فإن إسرائيل ستجد نفسها أمام شرق أوسط مختلف تماماً؛ شرق أوسط لا تقاس فيه التحالفات فقط بالمواقف السياسية، بل بحسابات الطاقة والممرات البحرية والاقتصاد العالمي.
وعندها، لن تكون المشكلة بالنسبة لتل أبيب مجرد تنامي النفوذ الإيراني، بل انهيار البيئة الإقليمية التي قامت عليها اتفاقات أبراهام نفسها. فالدول الخليجية التي تخشى على اقتصاداتها وممراتها التجارية لن تذهب بسهولة إلى مواجهة مفتوحة مع القوة القادرة على تهديد الملاحة والطاقة في الخليج.
لهذا يبدو القلق الإسرائيلي اليوم أعمق من مجرد خلاف سياسي مع إدارة أمريكية مترددة. إنه خوف من لحظة تاريخية قد تعيد تعريف موقع إسرائيل داخل النظام الإقليمي كله.
لكن الأخطر من ذلك ربما يحدث داخل الولايات المتحدة نفسها.
فتيار “أمريكا أولاً” لم يعد يرى الشرق الأوسط ساحة تستحق الحروب الطويلة والمكلفة، ولم يعد مستعداً لتحمل كلفة الهيمنة القديمة كما كان الحال بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر.
وهذا يعني أن التحول الجاري ليس أزمة تكتيكية عابرة، بل بداية تغير في تعريف المصالح الأمريكية ذاتها.
غير أن الشرق الأوسط نادراً ما يسمح بولادة أنظمة جديدة بهدوء.
فالقوى التي تشعر بأن نتائج الحرب تهدد موقعها الاستراتيجي قد تلجأ إلى التصعيد لمنع تثبيت التوازنات الجديدة. ولذلك قد لا تكون المنطقة متجهة نحو سلام شامل، بل نحو مرحلة طويلة من “اللا حرب واللا سلم”، حيث تصبح الهدن المؤقتة، والضربات المحدودة، واضطرابات الملاحة، جزءاً دائماً من المشهد الإقليمي.
وفي النهاية، ربما لا تكون القضية الأساسية اليوم ما إذا كانت الولايات المتحدة قد خسرت الحرب، بل ما إذا كان العالم بدأ فعلاً التكيّف مع فكرة أن الخليج لم يعد يُدار بالهيمنة الأمريكية المطلقة وحدها.
فحين تصل القوى الكبرى إلى مرحلة تعجز فيها عن فرض النظام القديم بالقوة، يبدأ العالم بالبحث عن طرق وأساليب للتعايش مع موازين القوة الجديدة.
وهذه، في العادة، هي اللحظة التي يتغير فيها التاريخ.
*************
*كاتب صحفي سوري.

