تارودانت(هرماس بريس):
بقلم: أحمد أكليليم*
حين تذكر تارودانت، تستحضر الذاكرة الجماعية إحدى أعرق الحواضر المغربية التي لعبت أدوار سياسية واقتصادية وثقافية بارزة في تاريخ سوس والمغرب. بأسوارها العتيقة، وأسواقها التقليدية، وموقعها الاستراتيجي بين السهل والجبل والواحة، ظلت المدينة لعقود طويلة فضاء للتفاعل الحضاري ومركز للإشعاع الثقافي والتجاري. غير أن التحولات الاقتصادية والاجتماعية والعمرانية التي شهدتها خلال العقود الأخيرة جعلت الكثير من أبنائها يتساءلون عن أسباب تراجع هذا الدور التاريخي، وعن السبل الكفيلة بإعادة المدينة إلى مكانتها المستحقة.
وفي هذا السياق تبرز الإشكالية التالية: انطلاقًا من مكانة تارودانت التاريخية والحضارية، ما هي أبرز التحديات التي تعيق اليوم استعادة المدينة لدورها الثقافي والسياحي والتنموي، وما الأولويات الضرورية التي ينبغي اعتمادها لضمان مستقبل أكثر ازدهارًا للمدينة؟
إن استقراء آراء أنجزه موقع Le212news.ma بمشاركة عينة من أبناء تارودانت يكشف أن الإجابات، رغم اختلاف زوايا النظر، تلتقي عند تشخيص مجموعة من الأعطاب البنيوية المرتبطة بالاقتصاد والعمران والثقافة والسياحة والحكامة المحلية، كما تتقاطع حول ضرورة بناء رؤية تنموية جديدة تجعل من التراث والإنسان والموارد المحلية روافع حقيقية للتنمية المستدامة.كما يبدو أن تلك الإشكالية لا ترتبط بغياب المقومات بقدر ما ترتبط بضعف القدرة على تحويلها إلى روافع فعلية للتنمية الثقافية والسياحية والاقتصادية.
أولى الملاحظات التي تتكرر في مختلف الآراء هي أن تارودانت تعاني من اختلالات عمرانية وبيئية تؤثر في صورتها كمدينة تاريخية. فالمشهد الجمالي للمدينة القديمة، بحسب بعض المتدخلين، لم يعد يعكس القيمة الرمزية والحضارية التي يفترض أن تتمتع بها حاضرة بهذا العمق التاريخي. كما أن التوسع العمراني غير المتوازن، وتراجع المساحات الخضراء، وضعف تأهيل بعض الفضاءات العمومية، كلها عوامل ساهمت في إضعاف جاذبية المدينة وإفقادها جزءا من خصوصيتها البصرية.
إلى جانب ذلك، يبرز التحدي الاقتصادي باعتباره أحد أكبر العوائق أمام أي مشروع تنموي. فالمدينة، رغم موقعها الاستراتيجي وامتدادها المجالي الواسع، ما تزال تفتقر إلى قاعدة إنتاجية قادرة على خلق فرص الشغل واستقطاب الاستثمارات. وقد ساهم غياب المناطق الصناعية المهيكلة وضعف البنيات الداعمة للاستثمار في تكريس البطالة وتشجيع هجرة الشباب والكفاءات نحو مدن أخرى أكثر حيوية اقتصاديا. لذلك تبدو مشاريع من قبيل محطة تصفية المياه العادمة، وإنشاء منطقة صناعية، وتطوير البنية المائية المرتبطة بالتحلية وإعادة استعمال المياه، من الشروط الأساسية لخلق دينامية اقتصادية جديدة.
وفي الجانب الثقافي، تتقاطع الآراء حول وجود مفارقة لافتة؛ فمدينة تزخر بالمبدعين والفاعلين الثقافيين لا تزال تعاني من ضعف الإشعاع الثقافي والإعلامي. ويعزى ذلك إلى محدودية الدعم الموجه للمبادرات الجادة، وإلى شعور بعض النخب بالتهميش، فضلا عن هيمنة الحسابات السياسية الضيقة على بعض مفاصل المشهد الثقافي. لذلك فإن إعادة الاعتبار للرأسمال الثقافي المحلي، وتشجيع المثقفين والمبدعين، وخلق فضاءات للحوار والإنتاج الفكري، تمثل مدخلا أساسيا لاستعادة الدور الريادي للمدينة.
أما على المستوى السياحي، فإن التحدي الأكبر لا يكمن في نقص المؤهلات، بل في ضعف تثمينها وتسويقها. فالمدينة تتوفر على أسوار تاريخية وقصبات وأسواق عريقة ومحيط جبلي وواحي غني، لكنها لم تنجح بعد في تحويل هذه العناصر إلى منتوج سياحي متكامل يجعل الزائر يمدد فترة إقامته بدل المرور العابر نحو وجهات أخرى. كما أن تراجع بعض الوحدات الفندقية الكبرى وغياب برمجة ثقافية مستمرة على مدار السنة يقلصان من قدرة المدينة على المنافسة داخل الخريطة السياحية الوطنية.
ومن زاوية أخرى، تطرح التجربة التاريخية للمدينة سؤال الحكامة المحلية. فالكثير من المتتبعين يرون أن تارودانت تحتاج اليوم إلى فاعلين سياسيين واقتصاديين وثقافيين يمتلكون رؤية استراتيجية بعيدة عن منطق التدبير اليومي الضيق. فالتنمية ليست مجرد مشاريع متفرقة، بل هي قدرة على بناء توافق جماعي حول مشروع حضري يجعل المدينة منفتحة على المبادرات المحلية والجهوية والوطنية، وقادرة على الترافع من أجل استحقاقاتها التنموية.
كما أن التغيرات المناخية المتسارعة تفرض تحديا إضافيا لا يمكن تجاهله. فسنوات الجفاف المتتالية أثرت بشكل مباشر على الفلاحة والواحات والموارد الطبيعية التي تشكل جزءا من هوية المجال الروداني. لذلك أصبح الأمن المائي شرطا حاسما لأي تصور مستقبلي، سواء عبر مشاريع التحلية أو إعادة استعمال المياه المعالجة أو تعزيز الاستفادة من الموارد السطحية المتاحة.
إن القراءة الجامعة لهذه الآراء تقود إلى خلاصة أساسية مفادها أن مستقبل تارودانت لا يتوقف على استحضار أمجاد الماضي بقدر ما يتوقف على القدرة على تحويل هذا الماضي إلى مشروع للمستقبل. فالمدينة تحتاج إلى تأهيل تراثها، وتحسين بنيتها التحتية، وإنعاش اقتصادها المحلي، ودعم رأسمالها البشري والثقافي، مع بناء علامة ترابية قوية تجعل منها وجهة ثقافية وسياحية وتنموية متميزة.
وبقدر ما تبدو التحديات كبيرة، فإن الفرص المتاحة أكبر. فتارودانت ما تزال تمتلك كل المقومات التي تؤهلها لاستعادة مكانتها كعاصمة تاريخية لسوس، شرط أن يتحول الإجماع حول أهمية المدينة إلى إرادة جماعية قادرة على صناعة التنمية بدل الاكتفاء باستحضار الذاكرة والحنين إلى الماضي.
*********
* صحفي مهني، باحث في علم الاجتماع

