مكناس(هرماس بريس): أحمد الميداوي
الحدث: تكريم قامتين نسائيتين استثنائيتين، نزهة الشقروني، ومعها الدكتورة أسماء بنعدادة، وكلتاهما تمثلان نموذجا مضيئا للمرأة المغربية التي وفّقت بمرونة كبيرة بين الفكر والنضال، وبين المعرفة والالتزام. المناسبة: عيد المرأة، والمُشرِفة: جمعية عبق الخريف للثقافة والإبداع بمكناس.
كل هذه العناصر التحمت لتخليد اللقاء الذي قدّم له الشاعر الرقيق، الدكتور الطنّي، بكلمة وافية استعرض فيها المسار المتميز لكل من الدكتورة نزهة الشقروني، التي “جسّدت في مسارها صورة المرأة متعددة العطاءات في المجالات الفكرية والإبداعية والسياسية”، وإلى جانبها الباحثة الأكاديمية الدكتورة أسماء بنعدادة، “ذات المسار المتنوع الجامع بين الحقل الجامعي الأكاديمي، والنضال الحقوقي والإبداع الأدبي قصة وشعرا”.
ولم يفته أن أثني من جهة أخرى على جمعية “عبق الخريف للثقافة والإبداع بمكناس”، ورئيستها الشاعرة الحكيمة مروّدة الكلمة، كما يلقبها أهل مكناس، الأستاذة لطيفة السليماني الغراس، التي اختارت أن تجعل من الثقافة المحلية جسرا للتواصل بين الفاعلين والمبدعين والساكنة، وأن تمنح الفعل الثقافي نفَسا متجددا.
أما الدكتور عبد الرحمان بنزيدان، الكاتب المسرحي، والرئيس الشرفي للجمعية، فقد اعتبر حفل التكريم حدثا “تتعانق فيه رمزية المناسبة، مع قيمة العطاء الحقوقي والثقافي والسياسي، واعترافا أيضا بمسار متنوع يزاوج بين الحقل الجامعي، والعمل السياسي، ويعزز صورة المرأة التي لا تكتفي بالإنتاج المعرفي، بل تحوله إلى فعل اجتماعي وثقافي وسياسي مؤثر”.
وقد ارتأى في سياق تأثيث كلامه عن الدكتورة نزهة الشقروني، تقديم سيرتها الخاصة في مقامات، وكل مقام له علاقة بتجربة حياتية. “المقام الأول، يقول الناقد المسرحي الكبير، هو مقام الميلاد في الدار الكبيرة التي كانت من القصور الأولى التي أسسها السلطان مولاي إسماعيل. في هذا الفضاء المدهش، الدّال على الهيبة والصولة وعزة المكان، ولدت الدكتور نزهة الإسماعيلي الشقروني.
“المقام الثاني، يضيف الناقد والكاتب المسرحي، هو مقام التعلم والدراسة كخطوة أولى لتهجي الحروف في الكتّاب القرآني القريب من الدار الكبيرة، وبعده الانتقال إلى حمرية (المدينة الجديدة)، والتدرج في التعليم الابتدائي حتى الثانوي، في ثانوية لالة أمينة التي كانت تسمى “بويميرو”، لتحصل على شهادة الباكالوريا.
ويأتي مقام الدراسة الموسيقية في المعهد البلدي للموسيقى والرقص، الذي كان يديره آنذاك والدها، المرحوم محيي الدين الشقروني. وفي هذه المؤسسة درست الموسيقى والصولفيج في ريعان شبابها، وحصلت على دبلوم خاص في العزف على البيانو. وبعده مقام الدراسات الجامعية العليا التي تحصلت بموجبها على شهادة الدكتورة في اللسانيات تتويجا لاشتغالها على الدارجة المغربية في مكناس. ثم مقام التدريس في كلية الآداب والعلوم الإنسانية في مكناس، والانخراط في جمعية تانيث، وتنظيم مهرجان المسرح الجامعي في دورتين”.
وتأبى نزهة الشقروني، يقول الدكتور بنزيدان، إلا أن تتوج كل هذه المقامات بمقام “الانخراط في العمل السياسي وفي حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية الذي فتح لها أبواب المسؤولية الوزارية، في ارتباط بتجربة التناوب مع المرحوم، عبد الرحمن اليوسفي، والمهام الديبلوماسية كسفيرة للمملكة المغربية في كندا”.
والأجمل في المسار الذي قدمه الصديق عبد الرحمان بنزيدان، هو أنه لم يكن على شكل سيرة ذاتية تقليدية، بل كمقامات تتدرج من المكان إلى الإبداع الموسيقي، ثم الفكر، فالعمل السياسي. مثل هذا الاختيار يجعل التجربة تبدو وكأنها رحلة عطاء متنوع ومتعدد، لا مجرد تعاقب وظائف.
البداية من الميلاد في فضاء ارتبط بتاريخ السلطان مولاي إسماعيل، ليست مجرد معلومة بيولوجية، بل تأسيس رمزي، حيث المكان المهيب صنع طفولة مشبعة بالدهشة التي عادة ما تكون، كما يقوا الدكتور بنزيدان، البذرة الأولى لكل مسار فكري وسياسي لاحق. ثم يأتي التعلم ليؤكد أن التكوين لم يكن فقط مدرسيا، بل متدرّجا من الكتّاب القرآني إلى التعليم العصري، وهو انتقال يعكس توازنا بين الأصالة والانفتاح.
أما الولع بالموسيقى، فهو من أجمل محطات هذه السيرة، لأنه يكشف بعدا إنسانيا وجماليا غالبا ما يغيب عن السياسيين. دراسة الموسيقى والعزف على آلة البيانو منح الدكتورة نزهة، حسّا بالانسجام والإيقاع، وجعلها تنظر إلى الفن كلغة ثانية للفكر.
وتأتي الدراسات العليا لتؤكد العمق الأكاديمي، خاصة بالاشتغال على الدارجة المغربية بمكناس، وهو اختيار يحمل بُعدا هوياتيا وثقافيا مهما، لأنه يربط البحث العلمي بالمجتمع. ثم مقام التدريس الذي يبرز انتقال المعرفة من فضاء الجامعة إلى الفعل الثقافي الحي. وبعده العمل السياسي، في سياق تجربة التناوب، وهي مرحلة ذات رمزية قوية في التاريخ السياسي المغربي. ثم التجربة الدبلوماسية التي منحت مسارها بُعدا دوليا أكملت به هذا التدرج، وأثبتت من خلالها أن الكفاءة النسائية قادرة على الإسهام الفعّال في تدبير الشأن العام، ووفي الدفاع عن صورة المغرب في المحافل الدولية بكل اقتدار.
نفس الثناء الجياش بالمصارحة والصدق، شمل الدكتورة أسماء بنعدادة التي أسهمت من خلال عطاءاتها المتعددة في المجالين الأدبي والحقوقي، في إشعاع المرأة المغربية فكرا وإبداعا وممارسة. فهي نموذج للمرأة المثقفة المنخرطة في قضايا مجتمعها، التي تجعل من الإبداع الأدبي موقفا، ومن البحث الأكاديمي ومن النضال الحقوقي، أداة للتنوير، ووسيلة للتعبير عن هموم الإنسان وأسئلته.
ثم إن اجتماع هاتين القامتين في لحظة واحدة، وبرعاية جمعية ثقافية محلية فاعلة، يبعث برسالة واضحة مفادها أن التكريم ليس مجرد حدث عابر، بل فعل اعتراف وتقدير لذاكرة العطاء النسائي، إلى جانب كونه تكريس لقيم المساواة والإنصاف، وإبراز للدور الحيوي الذي تضطلع به المرأة المغربية في مختلف مجالات الحياة.
كل التقدير والامتنان أيضا، لجمعية عبق الخريف للثقافة والإبداع ولرئيستها لطيفة الغراس، التي استطاعت بذائقتها الشعرية، أن تمنح للجمعية روحا دافئة، تجمع بين الكلمة الراقية والمبادرة الخلاقة، فكانت جسرا للتواصل بين المبدعين، وفضاء يؤمن بقيمة الجمال في خدمة الإنسان والمجتمع. وقد راهنت على إشراك الساكنة في العملية الثقافية، ليس فقط كمتلقٍ، بل كشريك في صناعة الحدث الثقافي، عبر لقاءات مفتوحة تُنصت لصوت المدينة، وتحتفي بذاكرتها.
هذا التوجه أسهم في ترسيخ ثقافة المشاركة، وفي صنع دينامية ثقافية إيجابية، محليا ووطنيا، بعيدا عما نشهده لدى بعض أشباه الجمعيات المكناسية حديثة الولادة، حتى لا نذكر سوى جمعية “كاليمار”، التي تختزل ما تسميه “أنشطة ثقافية”، في لقاءات من قبيل كيفية إعداد عصير الكفير، وغير ذلك من الأنشطة الفارغة التي تُنذر بإفلاس حتمي لجمعية اتخذت من الثقافة منصة لترضية الصديقات والأصدقاء، وإنتاج الضجيج، حيث الثقافة مسؤولية، ومن فرّط فيها باسم العلاقات، فقد حوّل الثقافة إلى عنوانٍ بلا مضمون.

